أمر فطري وبدهي أن تعلُّم لغة وحفظها يأتي من مداومة سماعها وقراءتها، ومثل ذلك الكلمات البذيئة، إذا قيلت وقرئت مرات حفظها المرء حتى يهون عليه سماعها وقد يتلفظ بها، ينفر أحدنا ممن يأتي بألفاظ بذيئة وكلمات معيبة، وينصح قائلها وكاتبها إن استطاع وقد يوبخه.
لكن معاناتنا مع الكلام الفاضح المشين والمتعدي علينا لا تنتهي بل تزيد، ولا أقول كل شهر بل كل يوم، ولا نقدر على منعها وإسكات قائليها ومنع كاتبيها. السبب واضح وضوح الشمس وهو أن تلك الألفاظ المؤسفة المقززة تعرض كل يوم بل كل ساعة أمامنا جميعا كبارا وصغارا ومسنين وشبابا وذكورا وإناثا، تعرض بالنطق وبالكتابة في قالب مغر هو الأفلام الجذابة بأنواعها على شتى القنوات الفضائية العربية، وبخاصة وفي الغالب في الأفلام الأمريكية.
لا تمر دقائق بلا كلمات نابية لا يطيق من عنده بعض حياء أن يجدها تقال وتكتب كل ساعة وكل يوم وبهذا التكرار والتعمد على مرأى من الراشدين والعقلاء وأولي الأمر والمربين.
كفى خدشا للحياء وكيلا مفرطا للناس بما يفسدهم صغارا وكبارا ويشيع الفحش ويهون التطاول والتسلط على الحرمات ويزين البذاءة ليجعلها مظهرا للنضوج والقوة والتمكن، كفانا تهورا وتلويثا للعقول والقلوب والألسنة والجوارح، فلن يتضرر سوانا ولن يتعرض للسوء غيرنا ولن ينحدر في كل شيء غير مجتمعنا. نحن نهين ونحتقر أنفسنا بوهم اسمه المتعة! تخيروا ما تعرضونه يا ذوي الرشد والعقل والأدب، راجعوا الأفلام الأمريكية على قنواتكم وتحكموا فيما يعرض منها وما يقال فيها ويكتب.
ألا تحرككم الغيرة على أنفسكم وعلى أحبتكم وعلى شمائل الأدب والحياء والنبل التي لا يقوم العمل ولا يقوى المرء ولا تستقيم الحياة بدونها؟ وإلا فأنتم تنحدرون بنا وأي ظلم وإجرام أعظم ونحن جميعا فيه، فالبلاء عام.
لا أظن ذوي الشأن والقرار إلا منتصرين للخير وملتفتين إلى العقول والقلوب والحياء بالصيانة ومنع ما يسيء إلى المجتمع.
ومسك الختام مقالة أبي تمام:
فلا والله ما في العيش خير
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إِذا لَم تَخشَ عاقبة الليالي
ولَم تستحِ فافعل ما تشاء