تثير السياسات العنصرية التي تنتهجها الحكومة المركزية في طهران تجاه الأقليات العرقية في البلاد، ومن بينها الشعب العربي الأحوازي، السخط بين الناس وبخاصة الشباب وطبقة المتعلمين والمثقفين على وجه الخصوص، مما يجعل التعامل مع الشيعة والسنة الأحوازيين متماثلا إلى حد كبير، وذلك لدوافع عرقية وقومية بحتة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، في 22 يونيو 2013، علمت أسرة السجين السياسي أفشين أصلانی بوفاته في سجن “رجائي شهر” في مدينة كرج، على بعد 25 كلم من طهران.
ووفقا لشقيقه، كان من الممكن تجنب الوفاة لو قام مسؤولو السجن بنقله إلى المستشفى بعد أن أصيب بنوبة قلبية في السجن في يونيو 20، وقد تحدثت بعض التقارير عن أن ما لا يقل عن سبعة سجناء سياسيين من بينهم نشطاء حقوقيون قد لقوا حتفهم نتيجة للتعذيب وسوء المعاملة أو الإهمال الطبي في السجون السياسية الإيرانية.
وفجر الأول من يونيو 2014، شرع النظام الإيراني في إعدام السجين السياسي غلام رضا خسروي سوادجاني وتم تنفيذ العقوبة رغم المناشدات الدولية للوقف الفوري للتنفيذ. واتهم مكتب المدعي العام للنظام الإيراني خسروي بـ”محاربة الله” من خلال توفير المعلومات والدعم المالي لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة للنظام الحاكم في إيران، كما قامت إيران بإعدام بعض الأشخاص بسبب قيامهم بالتبرع لجمعيات أجنبية، وفقا لتقرير الأمم المتحدة الأخير لحقوق الإنسان في إيران.
وفي هذا الصدد، طالبت منظمة العفو الدولية إيران بالقيام بخطوات حقيقية وجادة وليس مجرد تصريحات وكلمات فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان في البلاد.
ففي البيان الذي صدر أخيرا، قالت منظمة العفو الدولية: إن قرار إيران القائم على تأجيل قبول توصيات “مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة”، يجب ألا يكون ذريعة للمماطلة، ولكن يجب على “الحكومة الإيرانية” بدلا من الكلمات الجميلة أن تستثمر الفرصة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد التي يرثى لها.
الحالة الأحوازية
لم يشفع الانتماء المذهبي للشيعة العرب في إيران أمام الحكومة الإيرانية، وتتهم بعض هؤلاء الناشطين العرب بالمسؤولية عن نشر “الوهابية” واعتبار ذلك يهدد الأمن القومي الإيراني وبالتالي يتم الحكم عليهم بالإعدام.
وقد ظهرت تهمة “نشر الوهابية” في ملفات عدد من الناشطين العرب الذين قبضت عليهم السلطات الإيرانية وتم الإعلان عن تلك التهم في المحاكم أيضا.
وهناك حاليا عدد من الأحوازيين في سجن “كارون الأهواز” وينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
تعرض عشرات الأحوازيين للإعدام منذ 2005 عند بداية انتفاضة الشعب العربي الأحوازي عقب الكشف عن الرسالة الشهيرة الصادرة من مكتب رئاسة الجمهورية وتحت توقيع أبطحي (مدير مكتب الرئيس خاتمي آنذاك)، وكانت الرسالة تقترح تغيير الديموغرافية (التركيبة السكانية) في المحافظة وتفتيت النسيج الاجتماعي العربي وكذلك نقل بعض العائلات الأحوازية إلى مدن ومحافظات أخرى، أي أن الهدف من المشروع يتمثل في سحق الهوية القومية لعرب الأحواز، وكانت المدة المقترحة لتنفيذ هذه الخطة عشر سنوات والهدف خفض نسبة العرب في الإقليم إلى الثلث من إجمالي تعداد السكان هناك وبالتالي تحويلها إلى أقلية في موطنها الأصلي.
ومنذ أبريل 2005 حتى 2013، تم إعدام نحو 70 أحوازيا (غير من قتل في المظاهرات السلمية) بتهم المشاركة الفعالة في المظاهرات والمسيرات، ووفقا لتقارير منظمات حقوقية ونشطاء في حقوق الإنسان، فقد كانت المحاكمات غير عادلة وأقيمت خلف الأبواب المغلقة، وبعد تنفيذ عمليات الإعدام يتم إخفاء جثامينهم.
وقد اكتشفت بعض المقابر بعد أشهر وأحيانا سنوات في مناطق صحراوية نائية.
وخلال الأسبوع الماضي أفاد نشطاء أحوازيون، نقلا عن شهود عيان، أن أهالي قرية “جوبجي” من توابع مدينة رامز شرق الأحواز، أكدوا أن قوات الأمن دفنت جثماني الناشطين هادي راشدي وهاشم شعباني في بداية 2014 في الصحراء بالقرب من هذه القرية.
ووفقا لبيان أصدرته منظمة حقوق الإنسان الأحوازية ونشره موقع “العربية نت”، فإن الكشف عن محل دفن هذين الناشطين يأتي بعد مرور 11 شهرا من إعدامهما سرا في بداية يناير 2014.
إعدامات عامين
في نوفمبر الماضي، تم تقديم أربعة نشطاء سياسيين عرب من مدينة الفلاحية إلى حبل المشنقة هم: عبدالرضا أمیر خنافرة، غازی عباسی، عبدالأمیر مجدمی، وجاسم مقدم، وقد تم إعدامهم في مكان مجهول بعد نقلهم من الأحواز وبصورة سرية من قبل جهاز الاستخبارات الإيرانية، ولم تسلم جثامين هؤلاء الأربعة إلى أهلهم وذويهم حتى الآن.
وفي 2 ديسمبر 2013، اتصل أحد منسوبي إدارة الاستخبارات في الأحواز (رفض الكشف عن اسمه) هاتفيا بعائلات السجناء الأربعة وأبلغهم بخبر إعدامهم، ورفض عضو الاستخبارات الكشف عن تاريخ تنفيذ الحكم أو مكان دفنهم.
يذكر أن عائلات الأحوازيين الذين يتم إعدامهم تتلقى تحذيرات من السلطات الأمنية من عدم إقامة مراسم العزاء أو استقبال المعزين وهددتهم بالاعتقال في حال عدم الالتزام بذلك، وأن حكم إعدام هؤلاء السجناء العرب الأربعة صدر في أبريل 2012 من قبل المحكمة الثورية في الأحواز وبتهمة “محاربة الله والإفساد في الأرض”.
إعدام مستمر
إن عمليات الإعدام هذه، ما زالت مستمرة.
وفي 6 يناير 2014 أعلن فرزاد فرهادیي راد، رئيس المحكمة الثورية في محافظة خوزستان (عربستان) أن هناك 30 شخصا في المحافظة محكوم عليهم بالإعدام وينتظرون تنفيذ العقوبة.
ووفقا للإحصاءات غير الرسمية، فإن عدد السجناء السياسيين، يشكل أكثر من ضعف العدد المعلن ومعظمهم من الناشطين السياسيين والثقافيين العرب في الإقليم العربي في إيران.
وأكد أحمد شهيد، المقرر الخاص للأمم المتحدة لحالة حقوق الإنسان في إيران أن السلطات أعدمت 4 نشطاء من عرب الأهواز منذ بداية 2014 وحتى يونيو الماضي، ومن المتوقع أن يتم إعدام عدد آخر من ناشطي الأكراد، مضيفا أن روحاني عاجز عن تسوية هذه المشكلة وقلب هذا الاتجاه والوفاء بوعوده في هذا الموضوع، لافتاً إلى أن الرئيس الإيراني ينقصه دعم البرلمان للعمل على دفع برنامجه السياسي.
الحالة البلوشية
لم يكن البلوش أفضل حالا من عرب الأحواز، فقد تعرضوا على مدى العقود الثلاثة الماضية لشتى أنواع التنكيل والعذاب، وأُعدم العشرات منهم بدوافع سياسية بحتة.
ونظرا للظلم الشديد الذي يعيشه البلوش وحرمان الإقليم من أبسط مقومات الحياة الكريمة، فقد اختاروا، كمعظم الأقليات العرقية في إيران، النضال السلمي بشكل عام، إلا أن هناك مجموعات، مثل بقية الأقليات أيضا، اختارت النضال المسلح ضد النظام الإيراني بعد أن رأت أنه لا حلول أخرى تجدي يمكن خلالها لفت انتباه السلطة المركزية في طهران إلى مدى جدية مطالبهم ومدى الظلم الذي يتعرضون له.
ويشكل البلوش الغالبية العظمى من سكان محافظة سيستان وبلوشستان وينتمون جميعا إلى المذهب السني.
ولقد كانت هذه المنطقة -ولا تزال- موطناً للصراع بين الأقلية البلوشية التي تختلف عن السلطة المركزية في طهران عرقيا ومذهبيا، بل يمكن القول بأنها من أكثر مناطق الصراعات الداخلية في إيران، وهي المحافظة الثالثة من حيث كبر مساحتها، والتي تمتد على أكثر من181 ألف كلم مربع من الأراضي الإيرانية، ويتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة.
آلة القتل
ولأسباب سياسية ومذهبية بحتة، أعملت السلطات الإيرانية آلة القتل في الأقلية البلوشية وشهدت سجون وميادين المحافظة حالات كثيرة من هذه الإعدامات، وتؤكد تقارير حقوقية أن البلوش السنة في إيران يشكلون أعلى نسبة إعدامات تنفذها السلطات الإيرانية تحت ذريعة “محاربة الله” و”الإفساد في الأرض”.
وبتاريخ 20 ديسمبر 2010، قام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بشنق 11 بلوشيا في زاهدان، عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان، وذلك بعد هجوم انتحاري في مدينة “تشابهار”.
ووجهت لهؤلاء البلوش تهم الانتماء إلى حركة المقاومة البلوشية المسلحة، التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع في 15 ديسمبر في تشابهار في محافظة بلوشستان، جنوب شرقي إيران.
رسالة الأمهات
ووفقا لنشطاء في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية في إيران فإن عددا من أمهات السجناء البلوش الذين أُعدموا في إيران بتهم سياسية ومذهبية في نوفمبر 2013، قد بعثن برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، طالبن فيها بمواجهة “الجمهورية الإسلامية” المسؤولة عن هذه الجرائم.
وأشارت الرسالة إلى أنه منذ عام كامل من التنقل بين الدوائر الحكومية والمحاكم الإيرانية لنصل إلى إجابة شافية لأسباب إعدام أبنائنا وطبيعة الجرم الذي ارتكبوه حتى تحرم أسر هؤلاء السجناء من معرفة وقت وسبب هذه الإعدام.
توقيت انتقامي
وفي 26 أكتوبر 2013، أعدمت السلطات الإيرانية 16 سجينا بلوشيا في سجن زاهدان.
وفي اليوم التالي أعدمت شابا بلوشيا في سجن “خرم آباد” بتهمة الانتماء إلى “جماعة سنية متمردة”.
وزعم محمد مرزية، المدعي العام للمحكمة الثورية في محافظة سيستان وبلوشستان بأن إعدام هؤلاء السجناء كان ردا على عملية قامت بها حركة جيش العدل البلوشي، قبل يوم من ذلك، ضد أحد مراكز حرس الحدود وأودى بحياة 14 جنديا إيرانيا في مدينة “سراوان” على الحدود الباكستانية الإيرانية.
بعبارة أخرى، تظهر تصريحات المسؤول الإيراني بجلاء أن عمليات الإعدام، في كلا الحالتين السابقتين، كانت انتقامية بالدرجة الأولى، ويؤكد على ذلك توقيت تنفيذ أحكام الإعدام التي جاءت مباشرة بعد أحداث أمنية في الإقليم.
الحرابة والإفساد
وخلال الأسبوع قبل الماضي، أُعدم سجينان سياسيان من الأقلية البلوشية في سجن “زاهدان”.
فبعد أن اعتُقلا لعدة سنوات وحكم عليهما بالإعدام، نفذت السلطات الإيرانية الحكم في حق السجينين محمود شه بخش ووحيد شه بخش.
حكم الإعدام تحت مسمى “الحرابة” وصدرت بحقهما خلال اتهامهما بالارتباط بتنظيم مسلح معادٍ للسلطة دون أن تشير إلى اسم هذا التنظيم أو طبيعة دورهما في التنظيم.
وتشير التقارير إلى أنه شُنقا في السجن سرا فجر الخميس الموافق 13 نوفمبر 2014.
هذه الإعدامات الانتقامية أدت إلى اعتراضات واسعة في العالم.
بعد ذلك، أعلنت السلطات القضائية في إيران أن ثمانية من الذين أُعدموا متهمون بقضايا تتعلق بـ”الحرابة والإفساد في الأرض” بسبب انتمائهم إلى جماعات مسلحة في الإقليم وأن الثمانية الآخرين متهمون أيضا بجرائم مرتبطة بتهريب المخدرات!
الحالة الكردية
عانت الأقلية الكردية - ولا تزال - من تعامل الحكومة المركزية في طهران معها قبل الثورة وبعدها، وتشهد محافظة كردستان حراكا سياسيا وثقافيا كبيرا بسبب ممارسات النظام ضد أبناء الأقلية وشبابها.
وعلى نمط التعامل مع الأقليتين العربية والبلوشية، رأت الحكومة الإيرانية أن معالجة المطالب الثقافية والسياسية والاجتماعية لهذه الأقلية يكون عبر حبال المشانق.
إعدامات بالجملة
يشار إلى أن الإعدامات السياسية الصادرة بحق الناشطين الأكراد كثيرة جدا، إلا أنه في نهاية 2013، تم إعدام ثلاثة سجناء أكراد اتهموا بـ”إشاعة الفوضى” و”الإفساد في الأرض”، ولم يتم إبلاغ أي من أسرهم بتنفيذ الإعدام بهم، وكان من بينهم حبيب الله كلبري بور الذي نقل فجر 25 أكتوبر من الزنزانة الانفرادية في سجن أرومية إلى مكان مجهول ثم أعدم، ورفض المسؤولون تسليم جثته لأسرته.
وقد حكم عليه في مارس 2010 بعد محاكمة استمرت 5 دقائق.
ووفقا لتقارير حقوقية، فإنه اعتقل في سبتمبر 2009 في شمال غربي إيران بتهمة التعاون مع “جماعة حياة كردستان” وبتهمة “الحرابة” و”الإفساد في الأرض”.
ووفقا لوثائق المحكمة، فقد نفى أي نشاط مسلح له وكان قد أرسل رسالة لرئيس الحكومة يشرح فيها طريقة تعذيبه خلال فترة اعتقاله، لكن هذه الشكاوى لم تصل إلى أي نتيجة تذكر في ملف القضية.
ومثله أيضا رضا إسماعيلي، 34 عاما، وشيركو معارفي، 34 عاما.
من جانب آخر، فقد شنق كل من هيوا تاب وحميد خوشنواز وكمال هاشمي ومسلم رشدي ورجمت فتاة تدعى هيوا في العاشر من أكتوبر 2013 في سجن “سنندج”، وجميعهم من الأقلية الكردية، ولم يتم الإعلان عن إعدام هؤلاء الخمسة من قبل وسائل الإعلام الرسمية.
يذكر أنه يوجد حاليا، ووفقا لمنظمات حقوقية، أكثر من 20 كرديا صادرة بحقهم أحكاما بالإعدام وجميعها لأسباب سياسية، كما يوجد 28 سجينا على الأقل في سجون سنندج وأرومية وسمنان ورجائي شهر وسقز متهمين بأنشطة سياسية وأمنية وينتظرون الحكم بالإعدام.

