تحتفظ شركة رويال دتش شل العملاقة في أرشيفها بنسخة من تيليكس قديمة جدا تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، هذا التيليكس هو شاهد على ضياع أكبر وأهم صفقة نفط في تاريخ العالم كله على الشركة وهي الدخول كشريك في امتياز أرامكو لإنتاج النفط من حقول السعودية الضخمة، إذ ردت شل على العرض بالرفض في التيليكس بسبب توقعها بعدم وجود نفط في المملكة
وبعد مرور سبعين سنة، فتحت السعودية الباب أمام الشركات الأجنبية للتنقيب عن الغاز الطبيعي في الحقول غير المصاحبة للنفط، ورغم تشكيك شركات عديدة وخبراء بعدم وجود كميات كبيرة من الغاز إلا أن جيروين فان دير فيير «Jeroen van der Veer» الرئيس التنفيذي السابق لشركة شل لم يتردد لحظة وحصل على أول امتياز غاز في تاريخ المملكة بالشراكة مع توتال الفرنسية وأرامكو السعودية
وانسحبت توتال الفرنسية من المشروع بعد أن حفرت ثلاث آبار في الربع الخالي كلها خالية من الغاز، إلا فان دير فيير أشار إلى التيليكس القديم ولم يرد أن يكرر نفس الغلطة الأولى ويفوت فرصة تاريخية في الغاز بعد ضياع تلك الفرصة التاريخية للدخول في نفط أرامكو، وقال مقولة مشهورة عقب انسحاب توتال وهي «لا أريد أن أكرر نفس الغلطة بناء على ثلاث آبار تم حفرها في منطقة امتياز تعادل خمسة أضعاف مساحة هولندا»
لكن الظروف تبدلت اليوم، ويبدو أن الرئيس الجديد لشل بن فان بيوردن «benvan beurden» الذي تسلم منصبه مطلع العام الحالي، لن يتمتع بنفس الحماس الذي تمتع به فان دير فيير تجاه امتياز الربع الخالي، إذ إن الشركة مضطرة وعازمة على التخلي عن مشاريع مكلفة وأصول تقدر بنحو 15 مليار دولار من أجل تحسين وضعها المالي، وأصدرت في منتصف يناير تحذيرا للمساهمين قبل أن تعلن الأسبوع الماضي انخفاض أرباحها في 2013 بسبب عوامل كثيرة أهمها ارتفاع نفقات البحث والاستكشاف عن النفط والغاز
ومنذ أيامه الأولى، بدأ فان بيوردن في التخارج من الأصول وباعت شل خلال الأسبوعين الماضيين حصصا في مشاريع لها إلى الكويت وقطر في محاولة لتوفير مزيد من «الكاش»
وتعتزم شل كذلك تخفيض أنشطة التنقيب والاستكشاف عالميا للحفاظ على سيولتها النقدية
ويبدو أن 2014 سيكون حاسما لتحديد مصير شل في مشروعها المشترك مع أرامكو في الربع الخالي فالمشروع يواجه عددا من الصعوبات الفنية والجيولوجية والاقتصادية، ولا يزال الغموض يكتنف مستقبله إذ لم يتم الإعلان عن إنتاج قطرة غاز واحدة منه حتى الآن بعد انتهاء فترة التقييم الممنوحة لها من وزارة البترول والثروة المعدنية
فهل ستنضم شل إلى توتال وتترك أرامكو السعودية وحيدة للتنقيب عن الغاز في الربع الخالي؟
أول الغيث بيع حصة للكويت
بدأت شل العام الجديد بتقليص أنشطتها في أستراليا من خلال بيع كامل حصتها في مشروع «ويت ستون» لإنتاج الغاز الطبيعي المسال للكويت وهي أحد الشركاء الأساسين في المشروع بجانب شركة شيفرون الأمريكية وأباتشي
وذكر رئيس شل فان بيوردن جملة مهمة في تعليقه على إعلان البيع المؤرخ في 20 يناير وهي «نحن نقوم بأخذ قرارات صعبة في محفظتنا العالمية لتحسن كفاءة رأسمال لشل
»إن خروج شل من مشروع مهم وكبير مثل مشروع «ويت ستون» الذي سيبدأ في تصدير الغاز في 2016 إلى آسيا أحد أكبر وأهم أسواق الغاز الطبيعي في العالم، دليل أن الشركة عازمة على خفض نفقاتها وتسييل أصول لها، وسبق هذا الإعلان تقليص عدد العمالة في مشروع غاز آخر لشل في أستراليا وهو مشروع «أرو» مع شركة «بتروتشاينا» الصينية
وأعقب إعلان بيع حصة الكويت، إعلان آخر الأسبوع الماضي أنها اتفقت على بيع حصة نسبتها 23% في مشروع نفط برازيلي إلى شركة قطر للبترول الدولية مقابل مليار دولار، وستحتفظ شل بنسبة 50% من المشروع المسمى باركي داس كونتشاس وستواصل إدارته
ومن الطبيعي عقب كل هذه التحركات أن يكون مشروع سراك والبحث عن الغاز في الربع الخالي هدف آخر للشركة نظرا للتكاليف الضخمة المتعلقة به والصعوبات التي تواجهه
حظيت سراك بعدد من المزايا في الامتياز التي حصلت عليه من وزارة البترول والثروة المعدنية، فمساحة العقد المعطاة لها تعادل مساحة بريطانيا تقريبا، ورخصتها تسمح لها باستخراج وإنتاج الغاز الطبيعي من الحقول غير المصاحبة للنفط، إضافة إلى شرط آخر لم يتوفر في باقي الرخص التي أصدرتها الوزارة وهو السماح لسراك بإنتاج المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي وهي مواد أقرب في خاصيتها إلى النفط من الغاز وتباع في السوق العالمية بسعر النفط العالي لا بسعر الغاز المتدني
ولكن منذ أول أيام سراك وهناك عدد من المشككين والمتشائمين بمدى جدوى المشروع، فالغاز الموجود في المنطقة اتضح أنه غاز «حامض» أي يحتوي على نسبة كبيرة من كبريتيد الهيدروجين وهو غاز سام، ويحتاج الغاز الحامض إلى معالجة شديدة لفصل الغاز السام عنه والذي يؤدي إلى تآكل أنابيب الحفر والنقل، مما يرفع تكاليف استخراجه وإنتاجه وتحويله إلى غاز جاهز للبيع
وحتى إن تجاوزت سراك معضلة التكاليف المرتفعة لاستخراج الغاز فهناك أيضا تكاليف النقل، فمنطقة كدن والربع الخالي معزولة وبعيدة، وكانت هناك مقترحات حول كيفية نقل الغاز وكلها صعبة ومكلفة
وبافتراض أن الأمور الفنية تمت تجاوزها فهناك الناحية الاقتصادية وهي الأهم، فتكلفة استخراج الغاز ستكون عالية بينما سعر بيعه في السوق المحلي متدنية ومثبتة بتسعيرة قدرها 75 سنتا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية أي ما يعادل ألف قدم من الغاز، وسبق أن أعلنت أرامكو أن أسعار بيع الغاز تشكل «تحديا كبيرا» لإنتاجه من الحقول غير المصاحبة للنفط أو من مصادره غير التقليدية
القرار المصيري
التزمت سراك في 2011 أن تنتهي من تقييم منطقة كدن بحلول نهاية 2013، بعد أن منحتها الوزارة موافقة على خطة التقييم، والتقييم هو المرحلة التي تعقب انتهاء مرحلة الاستكشاف وهي المرحلة التي تسبق مرحلة الإنتاج
وفي نوفمبر 2011 قال الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو خالد الفالح في الرياض «إن التقييم معناه أن هناك شيئا مشجعا بخصوص ما تم اكتشافه وإلا لماذا نقوم بتقييمه؟»
وأعلنت شل العام الماضي أنها في مناقشة مستمرة مع شركائها ومع الوزارة حول المشروع إلا أنها لم تفصح مزيدا من المعلومات حوله، إلا أن الأوضاع التي تمر بها شل غير مشجعة لها على تحمل التكاليف مع أرامكو ما لم يكن دخل المشروع كبيرا بما يكفي لتبرير استمرارها فيه
وإذا ما أرادت شل البقاء فعليها أن تقدم تضحية كبيرة أو أن تقدم لمساهميها ما يشفع لها بالبقاء، وإذا ما أرادت الانسحاب فإن ذلك لا يبدو أنه سيؤثر على أرامكو العازمة في الاستمرار بالمشروع
وإذا ما أرادت الوزارة الحفاظ على وجود شل في المشروع فعليها أن ترفع سعر الغاز وهذا أمر محل نقاش كبير خاصة أن رفع أسعاره سيؤثر على المستهلكين وبخاصة منتجي البتروكيماويات، سابك وأخواتها التي تواجه منافسة شرسة من منتجي أمريكا بعد توافر الغاز الصخري لهم بأسعار متدنية
وبعيدا عن كل هذه السيناريوهات لم يعد هناك مجال عند الشركاء لتأجيل أي قرار حاسم، فأرامكو تريد الغاز وبشدة بسبب حاجة البلد إليه وفشل هذا الامتياز سيقضي على أحلام الشركة العريضة في الربع الخالي، أما شل فصرخات المساهمين وحملة الأسهم ستدفعها لاتخاذ القرار بشكل أسرع وواضح
مشاريع شل وأرامكو المشتركة
*مصفاة ساسرف في الجبيل:
تشغل شركة مصفاة أرامكو السعودية شل «ساسرف» مصفاة تبلغ طاقتها 305.000 برميل في اليوم في مدينة الجبيل الصناعية على الخليج العربي. وفي يولية 1993، امتلكت أرامكو السعودية حصة الحكومة السعودية البالغة 50% من شركة مصفاة التصدير، وأصبحت بذلك شريكا بالمناصفة لشركة شل العربية السعودية «للتكرير» المحدودة.
*مصفاة بورت آرثر العملاقة في تكساس:
تم إنجاز توسعة مصفاة بورت آرثر التابعة لشركة موتيفا أنتربريز، وهي عبارة عن مشروع مشترك مع شركة شل أويل الولايات المتحدة، وأقيم حفل تدشين التوسعة في 2012، وقد أضاف هذا المشروع 325 ألف برميل في اليوم إلى الطاقة التكريرية للمصفاة ليصل إجمالي طاقتها إلى 600 ألف برميل في اليوم، ولتصبح سادس أكبر مصفاة في العالم والأكبر في أمريكا الشمالية، وأسهمت في زيادة طاقة موتيفا التكريرية إلى 1.105 مليون برميل يوميا، وقد توقفت أنشطة بدء التشغيل بسبب حادث تشغيلي تطلب إصلاح وحدة تقطير النفط الخام، والتي كانت على وشك الاكتمال في نهاية 2012
*شركة سراك للتنقيب عن الغاز في الربع الخالي:
تتولى شركة جنوب الربع الخالي أعمال التنقيب عن الغاز غير المصاحب وكذلك أعمال تقييم وتطوير وإنتاج الغاز الطبيعي وسوائل الغاز الطبيعي والمكثفات في منطقتين واعدتين في الجزء الجنوبي والشرقي من الربع الخالي.
وتبلغ المساحة الممنوحة لهذه الشركة نحو 210 آلاف كيلو متر مربع، وتبلغ مدة الإنتاج 25 سنة، وتعود ملكية شركة جنوب الربع الخالي إلى كل من شركة شل وأرامكو السعودية مناصفة. وتعد الاتفاقية التي أبرمتها المملكة مع شركة جنوب الربع الخالي هي الأولى بين اتفاقيات الغاز منذ فتحت المملكة قطاع الغاز أمام شركات التنقيب والإنتاج.
*شركة شوا شل في اليابان:
في 2004، حازت شركة أرامكو فيما وراء البحار بي. في. التابعة لأرامكو السعودية حصة تقدر بنحو 15% في شركة شوا شل سكيو ك. ك. وشركة شوا شل هي واحدة من أكبر شركات التكرير في اليابان، وتملك ثلاث مصاف لتكرير للنفط بطاقة إجمالية تقدر بنحو 395 ألف برميل يوميا «مصفاة يوكايشي، مصفاة كيهين ومصفاة ياماغوتشي»، وتقوم أرامكو السعودية بإمداد هذه المصافي الثلاث بالزيت العربي الخام. وتقوم شوا شل بتسويق المنتجات المكررة عبر شبكة للبيع بالتجزئة تحمل العلامة التجارية لشركة شل تضم ما يقرب من 5 آلاف محطة بنزين، وتقدم شوا شل مجموعة واسعة من خيارات الطاقة، بما في ذلك الطاقة الشمسية ووقود الهيدروجين، وتقوم أرامكو وشوا شل بإنتاج خلايا شمسية يتم استخدامها حاليا لإنتاج الكهرباء في جزيرة فرسان جنوب المملكة.

