يتربع الحاج أبو محمد في دكانه القديم في السوق الشعبي في «القيصرية» وسط مدينة الهفوف، ويمارس هوايته المفضلة في صناعة وخرازة الأحذية التقليدية التي دأب على ارتدائها الرجال القدامى تحديدا، وهو مع أميته في التعليم لا يألو جهدا في تحديد مقاسات الأحذية التي تصنع خطوات كثيرين منا
ويتذكر أبو محمد أن تعلقه بـ« الخرازة» كان منذ ريعان شبابه، وهو يقصد السوق مع أبيه الحاج صالح الذي ورثه مهنته ومهمته، ولكنه لم يعر اهتماما كبيرا لما يجري من حوله، فلا يرى سوى خيوط وجلد وبضعة مسامير، وأحذية متراكمة، اختلفت أشكالها وتوحدت مهمتها التي يؤديها، وشيئا فشيئا كبر هو وبدأ يمارس الهواية والمهنة معا، فكانت الأدوات جاهزة، وفي اليوم يصنع له أكثر من حذاءين ليبيعها، معتبرا أن مهنته تتطلب صبرا طويلا، فأنت تجلس في مكان واحد دون أن تتحرك لساعات وطريقة الجلسة واحدة ومتشابهة ومتعبة أيضا
ويراهن العم صالح أن المهنة لن يتبقى على أفولها سوى سنوات قليلة جدا، فجميع المحترفين فيها ماتوا وماتت معهم المهنة، وحلت العمالة الأجنبية معها، وحملة التصحيح قضت عليهم، فنادرا ما تجد أحدا منهم وقد كانوا بالعشرات هنا، وما يهمنا هو أن الآباء لم يستطيعوا توريثها لأبنائهم، والأبناء معذورون في عدم قبولها لأنها لا تناسب الزمن الحالي الذي يعيشون فيه، ويحرصون على إكمال تعليمهم، مشيرا إلى أن الإقبال على شراء هذا النوع من الأحذية المصنوعة يدويا بدأ في الانخفاض، ما يعني أن تلك الحرفة لم تعد تساوي اليوم أي شيء، وعدد ممن كانوا يحترفونها تخلوا عنها، أما البقية القليلة التي ما زالت تمارسها، هم من يتمسكون بها على مضض، وكانت في الماضي رافدا اقتصاديا لكثير منهم
وأضاف أن هذا النوع من الأحذية لم يعد مطلوبا بين الرجال حاليا، وأصبحوا يميلون إلى التي تجمع ما بين الأناقة والجودة والأصالة، وهذه المواصفات متوفرة في الأحذية المستوردة من الخارج والتي بدأ يفضلها كثير من الأجيال الجديدة، لأسعارها المناسبة وموديلاتها المتجددة باستمرار، إضافة إلى التنوع في أشكالها الخارجية وألوانها التي تتوافق مع تقليعات العصر، وبات من الصعب أن تقنع أحدهم بشراء حذاء يصنعه خراز متربع في الشارع لا يمتلك من الآلات الحديثة شيئا، والسوق عامرة بجميع الماركات التجارية والأشكال المختلفة، والجيل الحالي وغالبيتهم من فئة الشباب لا يرغبون في ارتداء الحذاء «القصيمي أو الزبيري وغيرهما» بل يعدونها من مقتنيات كبار السن والرسميات أحيانا