وطننا ورشة عمل كبرى من البحر إلى الخليج، ومن حدود اليمن إلى حدود الأردن والعراق، في حرص من خادم الحرمين الشريفين، يحفظه الله، على تطوير الوطن وبنائه كما يجب، ومن هنا سأتطرق اليوم إلى مشكلة عويصة يشاهدها ويشعر بها كل مستخدم لطرقاتنا الطويلة عبر الوطن الغالي، فكثير من الطرق الحديثة سواء داخل المدن أو خارجها تجعلك تترحم على الشركات الأجنبية التي نفذت مشاريع الطرق، التي لا تزال صالحة للاستخدام أفضل من كثير من الطرق التي نفذت قريبا.
أتساءل كغيري ما دامت الشركة المنفذة وطنية، والمهندس المشرف على المشروع مواطن، والجهة المستلمة للمشروع حكومية، كيف بالله يُنفذ طريقٌ يعاني ضعف (الاستواء) أبسط أبجديات الطرق وأهمها، فبعضها يشعرك أن الشركة التي نفذته (عليمية) أو فاسدة وأن المهندس الذي استلمه ناجح بالواسطة أو (مرتشٍ) حتى لو كان بريئا، وإلا بالله عليكم كيف يستلم مشروعا لم تنفذه الشركة على الوجه المقبول، وأتذكر هنا الطريق الذي يربط مدينة الملك خالد العسكرية بمدينة حفر الباطن، فبعد عناء سنة من التحويلات، كشف المقاول عن طريق مؤلم، ولولا أن قيّض الله لنا زيارة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، يرحمه الله، حينما سار على الطريق وشعر بعدم صلاحيته، فأمر على الفور بإزالته وإعادة تعبيده، وإلا لكنا أجبرنا عليه كغيره، ولصرنا كمغمض عينيه على القذى.
أحيانا تشعر بضعف تخطيط الوزارة أو فرعها في منطقة ما، وأستشهد بطريق جدة الليث السريع، الذي نُفذ أولا بمسارين، وعندما شارف على الانتهاء، كأن المسؤولين آنذاك استيقظوا، فسارعوا إلى تدارك تقصيرهم ليزيدوه مسارا ثالثا، فلماذا الهدر؟ ألا يفكرون في خمسين سنة قادمة على الأقل؟
أما أحيانا أخرى فتشعر بغباء المهندسين سواء في الوزارتين أم الشركات، وضعفهم الشديد أمام الطبيعة، لا أدري أهي لا مبالاة منهم، أم قلة خبرة، وقد مدت إحدى البلديات طريقا زراعيا إلى قرية اسمها “مُراج” وعندما وصلوا إلى الوادي الرملي الكبير، عرضه يبلغ 500م ربما، ردموه بالتربة المرتفعة حتى منتصفه وحصروا عبور السيل في 14 فتحة ربما لا يتجاوز طولها 50م على أعلى تقدير، بارتفاع مترين، فأخبرهم الأهالي أنها لن تصمد أمام جبروت الوادي، فلم يلتفتوا إليهم، ولا إلى معالم الوادي الواضحة التي تؤكد قوته، ولم تصمد عباراتهم أمام السيل الأول، حينما قلبها وجرف الحواجز الترابية الضعيفة، فلم يستفد المواطنون طريقا مريحا آمنا ولا يزالون دون طريق من خمس سنوات حتى اليوم، ولم تسلم الدولة من إهدار المال!
ولعل قرائي الأعزاء لاحظوا مثلي ضعف استشراف مستقبل مشاريع الطرق والشوارع، وضعف قراءة الطبيعة المحيطة التي يجب احترامها حفاظا على الأرواح والمال العام، وهذا ما يخبرنا به المفتش العام “مطر”، وأضع بين يدي علمكم مشروع عقبة (الصفيحة) التي تربط ترعة ثقيف بمحافظة أضم، فأول ما تلاحظه أن الشركة المنفذة ملأت الشعاب بالردميات التي تشكلت مثل الشلالات الضخمة فأغلقت مجاري السيول، وعندما يهطل المطر يجرف تلك الردميات الهشة بقوة ويلقي بها على الطريق الموازي الملتف من أسفل، فيشكل خطورة عالية على مستخدمي الطريق، وعلى الطريق ذاته، ثم عندما يتذاكى المهندسون ويقررون توفير قيمة (كوبري) لأحد الأودية الكبيرة أسفل العقبة، فيؤسسون صبات خرسانية على سطح الوادي (مزلقان) ليأتي المطر الأول قبل شهرين ويدمر ما اقترفوه، فيعاندونه مرة أخرى ويعيدون صيانته بذات الطريقة، فأتى مطر الأسبوع الماضي بنيانهم من القواعد، فلو استقرؤوا قوة هذا الوادي وخطورته، واحترموه بإنشاء كوبري مرتفع يسهّل مروره لوفروا الجهد والمال، فتكاليف إنشائه الأولى زائد الثانية، زائد الثالثة الآن ربما تفوق تكاليف إنشاء الكوبري.
ثم أما بعد، أتساءل ببراءة المواطن: “هل نرى أكثر مما يراه وزيرا النقل والشؤون البلدية ومسؤولو الوزارتين ومهندسوها، أم عيوننا تصوّر واقعا لا يُرى؟!”.