ألفنا أن نقرأ عند رواد النهضة العربية، وبالأخص طه حسين والعقاد وأحمد أمين كلاما يصل الثقافة بالعرق والأصل، وكان الرواد يلحون على أنفسهم كثيرا في رد هذا الشاعر أو ذلك الأديب إلى أصله، وينفقون الصفحات الطوال في كلام كل همه أن يثبت فيه طه حسين أن أبا تمام نصراني الأصل، ويتحدث فيه أحمد أمين عن عقل سام وعقل آري يعيد إليهما طبيعة الفكر والمعرفة، وكأن الثقافة إنما هي استجابة لذلك العقل المستقل عن التاريخ والعمران، أو كأنما الثقافة يستطاع عزلها عما يتلجلج داخل الإنسان من ألوان الفرح والترح والخوف والرجاء، واعتاد القارئ العربي أن يطالع مثل هذا الكلام في حديث نقاد الأدب عن القصيدة العربية القديمة حين يقابلونها بالقصيدة العربية الحديثة، وعندهم أن الشعر القديم لا يغور في الأعماق، وصوره ساذجة، وخياله رقيق، أما القصيدة الحديثة ففيها من التفلسف والاحتكام إلى معاني الوجود ما يجعلها نصا تتركب فيه طبقة فوق طبقة، وبعد أن يزهد النقاد القراء بشعر العرب وثقافتهم إذا بهم يسوقون كلاما يدفعون فيه عن أنفسهم النزول بذلك الشعر، بعد أن قالوا فيه ما قالوا.
وأغرب ما في تلك القراءة التي ترد الثقافة والشعر إلى أصول وأعراق، ما كتبه العقاد في كتابه الجليل عن الشاعر ابن الرومي. وعنده أن جانبا من إبداع هذا الشاعر إنما يرتد إلى أنه يعتزي إلى أرومة يونانية، وأن ما في شعره من تفصيل، وما فيه من إسهاب وإطالة، إنما مردهما ما جبل عليه العقل الأوروبي من ولع بالتحليل والتفتيق، وهذا ما لا يستقيم للشاعر العربي الأرومة، فهو مولع، أبدا، بظواهر الأمور لا مخابرها، وسطوحها لا أعماقها!
يكتب الرواد ذلك، ويسوقون أقوالهم فيما يشبه الحقيقة العلمية، أو هي كذلك دون نزاع، واستناموا، في تلك الحقبة التي قاوموا فيها الاستعمار، إلى تلك الثقافة التي جعل المحتل يشيعها في أبناء الشعوب المغلوب على أمرها، حتى بتنا اليوم نسمع كلاما يرد به جمهرة من المثقفين، بكلام منمق، نقدهم للمجتمع والثقافة، إلى “عقل عربي” متعالٍ على التاريخ والمجتمع وحركتهما.

