أجراسنا في العالم العربي عبارة عن تحف أثرية (أنتيكا)، للعرض فقط، وحتى ولو قرعتها بحرصك، فلن تحصل على حس من لسانها الأخرس، كون جدرانها صدئة، متشققة، وإن من قرعوها في السابق قد أصابوها معهم بالإحباط.
واليوم قررت أن أقرع جرسًا جديدًا لا أدعي أني أول من قرعه، ولكني أتأمل أن يكون له اليوم صوت، فلا يكل متني، ولا تزداد جدرانه تحللا وتساقطًا؛ ألا وهو جرس المبتعثين السعوديين، الذين تقوم الدولة بإرسالهم بمئات الآلاف ليعودوا لنا وهم يحملون الشهادات العليا، والأعلى، والأكثر علوا!.
فكأن بلادنا تحارب من أجل الحصول على خريجي مناصب عليا، تجعل كل من يسافر يحلم بالعودة إلى كرسي مريح، ومكتب مدير!.
الهرم الوظيفي لدينا مقلوب، فالتركيز فقط على قمة الهرم، وأما باقي جدرانه وزواياه وأساساته وأجزائه المهمة، والتي يستند عليها، فإنها تظل هشة منسية، لا أحد يفكر فيها، ولا في كيفية صنعها وتقويتها وتأهيلها بالشكل، الذي يتناسب مع رأس الهرم!.
الفجوة صارت كبيرة، وستتسع أكثر مستقبلا بعودة موجات المبتعثين المديرين.
وأتعجب، لماذا لا يتم تدريب وابتعاث أصحاب الوظائف المساعدة، والبسيطة، والفنية، حتى يتكامل النسق، وحتى تتمكن الأسس من حمل القمة البراقة، ودون تشويه لشكل الهرم.
لماذا يسمح لبعض من ابتعثوا بتغيير مجالات بعثتهم الفنية، فيتركون تخصصاتهم الأساسية للأسهل، ويعودون طالبي كراسي، ووظائف مديرين.
كم من مدير ستحتمل هذه البلد، وأين التخطيط السليم للتدريب الكلي الشامل، وفي جميع النواحي؟.
أين التحفيز والتشجيع لمن يقومون بأداء الأعمال الأساسية البسيطة ويستمرون فيها ويبدعون، وأين رفع مرتباتهم، فلا يشعر أصحاب تلك الأعمال بالدونية. وأين العمل بالتخصص، فلا يكون للمبتعث غير ما يحسن، فلا يأتي خريج إدارة أعمال، ويعين مديرًا على أصحاب تخصص فني، لا يفقه فيه المبتعث شيئا، ولمجرد أنه حامل شهادة!.
الأمر خطير، وعدم التنبه لقارعي الأجراس وإن كانت صدئة خرساء سيدخلنا في منعرجات وخلل، ومطبات ليست أقل خطورة مما فعل بنا أصحاب الشهادات الوهمية.
يا وزارتي التخطيط، والتعليم العالي، نحن نحتاج لتدريب مئة شخص في الوظائف الأساسية المساعدة والبسيطة مقابل كل مبتعث واحد دراسات عليا، وليس العكس.
أنا لست ضد الابتعاث والطموح، ولكني ضد العبثية والعشوائية في التخطيط. البلدان المتحضرة تبدأ بتدريب وتهيئة الأساس قبل القمة، ولا تضطر لحشو القمة بأصحاب المناصب، الذين سيضطرون للعمل متنافسين بمن يحضر مبكرًا في ذلك اليوم!.
بعثات خادم الحرمين الشريفين يجب أن تتحول نسبة كبيرة منها لمن لا يحملون الشهادات الجامعية، ويجب إجبارهم على التدرب في مجالاتهم الفنية ذاتها، والتي من شأنها أن ترتقي بأعمال الصحة والطرق والصناعة والتجارة والزراعة، فيعود المبتعثون وهم هرم متكامل، لا مجرد مديرين يتنافسون للوصول للأعلى، بعد أن تخلخل الأساس، وتشوه هرمنا وتساقط من عِظم أحمال القمم.