يأتي هذا العنوان قاصراً عن استيعاب قوة التحولات التي يعايشها الإنسان في هذا العصر المتسم بـ(التسارع والتقارب) فهي محاولة الفهم والقراءة لتحول الإدراك الإنساني وتعدد قدراته الذكائية في ظل الاكتشافات العلمية داخل الإنسان وخارجه، في الكون والحياة.
والإنسان المسلم والعربي في الذات معني بهذا الموضوع، لأن ما ينازعه ويتنازع معه ويتنازع حوله أفقده فاعليته ورؤيته المشارِكة في صناعة العالم وتحولاته. وثمة أسباب تدفعنا لأن نتحدث عن هذا الموضوع. ومن أهمها ما أحدثته الأبحاث العلمية من الفجوة الكبيرة، والكبيرة جداً بين تلك الأبحاث وبين الحياة اليومية للفرد، والتي كشفت أن الإنسان في مجتمعاتنا بالذات لا يتحرك إلا بالحد الأدنى من مدركاته وممكناته ولا تزال أمامه الفرص الهائلة. كما أن قدرة الإنسان في هذا العصر على إبداع حظه هائلة وعظيمة، فلم يعد الحظ خرافة أو لعبة، وقدرة الإنسان على إبداع حظه واستكشاف طريقه تتطلب منه طريقة غير رتيبة من التفكير يتشارك فيها عقله وقلبه فالحظ ليس له ذكره مع أحد دون أحد. ولكنها استعدادات تقوم داخل النفس البشرية، وأسرار وحدوسات وإلهامات يصدقها الإنسان من أجل الحب، من أجل الجمال، من أجل السعادة والبهجة. إذ الحب سيرٌ إلى الوردة من دون لماذا. كما يعبر الدكتور الفيلسوف الوجداني أحمد الصادقي. والمهم أن رؤية العالم تتطلب إعادة النظر في العقل المحدود، والانطلاق إلى ممكنات الإنسان الروحية اللا محدودة. فالدماغ ليس هو كل القصة! كما يقول الدكتور ديباك شوبرا. ومما يؤكد ضرورة هذا الموضوع أن الله تعالى خلق العقل البشري ليس من أجل أن يفكر من خلال قواه الإدراكية في عالم الحس فقط!! بل إن الله خلق هذا العقل لأن يفكر في مدركاته الحسية، وفوق ذلك وأكبر ليكون قابلاً لإشراقات الروح وإلهامات التأمل والتفكر. كما أن الخالق سبحانه قد جعل الإنسان في حالة اختيار دائم في الأشياء والأشخاص والأفكار والمشاعر. وهو ما يتطلب منه تفكيراً مرناً يعمل بشكل الدائرة بعيداً عن محدودية التفكير بنماذج المربعات والقبعات! لقد أصيب الإنسان بإدمان (عادات الشعور السالبة) كالتذمر والإحباط والاستخفاف. فوق إصابته بإدمان عادات السلوك. حتى أصبحت آدميته وكأنها قد استخدمت من قبل! تفقد روح التجدد والعطاء. إن في قوة السرعة التي نعيشها، ومستقبلها الذي تتحدث عنه، اكتشافات العلم وتجليات المعرفة.
أمام ذلك نحن أمام قراءة جديدة لمفهوم الزمن وكيف تتشكل علاقة الإنسان به.
فيما العقل القديم وطرائقه في التفكير لا يزالان عالقين في شباك الوقت بعيداً عن مفهوم الزمن ودلالاته. إذ من الطبيعي والحتمي أن تكون مخرجات التفكير القديم بمحدوديته الإدراكية الحسية، وخططه المحكمة لا تتجاوز بالإنسان حدود نزعتين يمارسهما في الوجود، هما النزعة الواقعية التي تغذي الحاضر من ذاكرة الماضي الثقيلة، وغالباً ما تكون ذاكرة الألم من الجوع والفقر والمرض والحرب وفقد الأمان. وهذه النزعة تأتي على حساب الاستماع بالحياة، والبهجة بجمالها، والفرح والحب لمعطياتها. وعن ذلك ينتج الخوف وترقب زوال النعمة. في حالة لا تعني إلا أن الله صاحب ثأر من خلقه ينتظر خطأهم ويتبع زلاتهم. والأخرى هي النزعة المثالية التي تهمش الماضي وتستخف في الحاضر. وعند أصحاب هذه النزعة لا شيء يستحق الحياة إلا ما تتصوره الأذهان في مدنهم الفاضلة. وكل مبادرة إصلاح أو أي حركة نحو الإيجابية ليست عندهم إلا محاولة لترميم التخلف أو تلميعه. وهؤلاء هم كتاب اليأس وأساتذته. كما استلهمه كتاب (أساتذة اليأس. النزعة العدمية في الأدب الأوروبي) للروائية (نانسي هيوستن).
إن الذي كرس التفكير القديم وجعله يتمدد في الإنسان ويحيط به، على الرغم من تطور هذا الإنسان في ملبسه ومسكنه ومركبه أمور أذكر ثلاثة منها دون تعليق:
1 / ركاكة التعليم وهشاشته.
2 / انغلاق التدين من خلال مفاهيم جامدة أشبه ما تكون بالمعسكرات التي تدافع عن نفسها وتدمر كل من عداها.
3 / القناعات الاجتماعية برتابة الحياة، ومقاومة التغير.
وحين نريد الخروج من هذه الحالة فإن الأمر ليس صعباً فضلاً عن أن يكون مستحيلاً. وروح المسؤولية عند الإنسان عن ذاته هي الخطوة الأولى لحياة أجمل.

