بين وقت وآخر تلوح بعض الأصوات والأقلام التي تدعو وتطالب بوقف عملية استثمارات القطاع العام في تمويل بعض المشروعات المتعلقة بإنشاء المجمعات السكنية والتجارية، ومن بينها تلك التي «لعلعت» كثيرا في لقاء الغرفة التجارية الصناعية بمكة، الذي عقدته مؤخرا مع مجموعة من المستثمرين في المجال العقاري وتحديدا ما يخص بناء الوحدات السكنية المتعلقة بسكن الحجاج والمعتمرين والزوار بمكة خلال المواسم الدينية وطيلة العام بموسم العمرة.
وقد أعلنت تلك الأصوات عن تخوفها من إغراق مكة بالمشروعات السكنية والتجارية العملاقة التي تعطى لها وتمنح بعض المميزات الإضافية الاستثنائية في تعداد أدوارها نتيجة لمساحاتها الكبيرة، وطرق شوارعها المحيطة بها والتي تربط مع بقية الطرق العامة والدائرية لها الحظوة في القبول عن غيرها من بعثات الحج الرسمية لإسكان حجاجهم فيها من ضيوف الرحمن خلال الحج.
ونشير إلى أن مثل هذه المشروعات المنفذة من قبل صندوق الاستثمارات بالمدينتين المقدستين يعتبر محدودا جدا، ومكة تحتاج لمثل هذه المشروعات السكنية العملاقة التي يقام بعضها بتمويل من صندوق الاستثمارات العامة التابع لوزارة المالية حسب الجهة المنفذة التي تتبع للقطاع الحكومي أو التي تشرف عليها حكومتنا الرشيدة، مثل هذه المشروعات السكنية الحديثة التي يتطلب تنفيذها رؤوس أموال كبيرة وضخمة أقل منشأة منها لا تقل عن ربع مليار وأغلبها تزيد تكلفة إنشائها عن نصف مليار وما فوق. وقد لا تتوفر سيولة مبالغها عند بعض المواطنين أصحاب الدور السكنية محدودة المساحة والتي تفتقر أدوارها للكثير من الخدمات في مقدمتها مواقف متعددة للسيارات ومصليات ومطاعم وبعض أدوار الخدمة لصغر مساحة أحجامها وتكلفتها.!
ولو قورنت هذه الوحدات السكنية «الشعبية» بغيرها من مشروعات الفندقة الجديدة التي أنشئت مؤخرا لإسكان الحجاج والمعتمرين والزوار من قبل شركات التطوير العقاري والاستثمار السكني والتجاري بمكة.
وللأهالي في مكة المكرمة والمدينة المنورة تجارب سابقة مع الأبراج السكنية التي أنشئت معظمها في الفترات الماضية على مدى أربعة عقود ومعاناتهم من ضيق الشوارع بسبب استحواذها على مواقف السيارات للعاملين بها أو من النزلاء وهي كفيلة بأن لا تحظى بقبولهم لها لأنها قد تفيد فقط صاحب المنشأة والمستثمر لها.
ونقول لمن لديهم حساسية مفرطة وفوبيا من المجمعات السكنية الكبيرة التي تمول من قبل صندوق الاستثمارات العامة بوزارة المالية أو من الصناديق الاستثمارية التجارية التي يتم تمويلها من البنوك والشركات العقارية الاستثمارية بمكة والمدينة، إن المدينتين ما زالتا تحتاجان الكثير من المشروعات الاستثمارية والتجارية ليس على مستوى المنشآت السكنية المعدة كسكن للحجاج والمعتمرين والزائرين فقط بل تحتاج إلى الاستثمار العقاري في بناء وحدات شقق التمليك للمواطنين وبنظام التأجير السنوي إضافة إلى مراكز حديثة للتسوق، ومدن ترفيهية ومطاعم للعوائل والعزاب.
ولعل مشروع دار الهجرة السكني والتجاري الذي تموله وزارة المالية عن طريق صندوق الاستثمارات العامة سوف يسهم في تقليص الفجوة لضخامة المشروع في توفير السكن الملائم لزوار المسجد النبوي الشريف بعد عمليات الإزالة الكبيرة لصالح التوسعة، وبحسب تصريحات معالي أمين العاصمة المقدسة بكلية الاقتصاد ضمن اللقاء الذي أقامته جامعة المؤسس بجدة فإن العدد الإجمالي للحجاج والمعتمرين والزوار الذين استقبلتهم العاصمة المقدسة على مدار العام المنصرم وصل تعدادهم لما يزيد عن عشرين مليونا، منهم ثمانية ملايين قدموا من خارج المملكة في موسمي رمضان والحج وأربعة ملايين من دول الخليج والباقي من داخل المملكة، والعدد قد يصل إلى «ثلاثين مليونا» خلال السنوات القادمة بعد انتهاء مشروعات التوسعة والمرافق والخدمات العامة.

