لم يتبق سوى أربع دقائق وتعانق عقارب الساعة الثالثة من فجر الحادي والعشرين من يوليو 1969، في تلك اللحظة كانت أنظار العالم تراقب نيل آرمسترونج وهو يضع قدمه اليسرى على سطح القمر كأول خطوةٍ لإنسان على سطح ذلك المجهول الذي طالما سلب عقول العلماء وأشعل خيال الشعراء.
في الرابع من أكتوبر 1957 أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي يدور حول الأرض، الأمر الذي فاجأ العالم، وأزعج الرئيس إيزنهاور فأصدر قراراه بإنشاء الوكالة الوطنية لعلوم الفضاء ناسا (NASA)، الوكالة الجديدة لم تبدأ من العدم بل ضمت أقسام الجيش والمخابرات ذات العلاقة بالفضاء، ثم استقطبت العقول المبدعة في الهندسة والرياضيات والفيزياء من جميع أنحاء العالم لبناء صواريخ ومحطات فضاء تستكشف القمر جارنا القريب ومنه للكواكب البعيدة.
تاريخ ناسا لا يخلو من الدموع، التي بدأت بحريق المركبة أبولو 1 نتيجة التماس كهربائي في حصة تدريب عادية على الأرض، ثم بالانفجار المشهور لمكوك الفضاء تشالنجر بعد ثلاثة وسبعين دقيقة من انطلاقه ليتحول إلى كرة نارية أحرقت جميع أعضاء الطاقم في 86. الإخفاق التالي أتى بعد سبعة عشر عاماً بعد أن استعد الجميع لاستقبال أعضاء المكوك كولمبيا الذي أنهى مهمته بنجاح لكنه انفجر أثناء عودته إلى الأرض فأطفأت الدموع أضواء الفرح. الأمر الغريب أن هذه الحوادث كانت نتيجة أعطال بسيطة لم تخطر على بال أولئك الذين بذلوا وقتاً طويلاً في الأمور الأساسية وتغاضوا عن تفاصيل بدت صغيرة حينها لكنها لاحقاً غيرت تاريخ الطيران.
ظل الإنسان يحلم آلاف السنوات ليقترب من القمر، ولم يبدأ العمل لتحقيق هذا الحلم إلا بعد سقوط تفاحة على نيوتن (وثمار التفاح تسقط من آلاف الأعوام) جعلته يتساءل لماذا سقطت إلى الأسفل ولم تصعد إلى الأعلى؟ ساعدت هذه التفاحة نيوتن في اكتشاف قانون الجاذبية الذي كان النواة الأولى لعلوم الفضاء، ولأن أحلام الإنسان لا تنتهي، ربما أغمضت عينيك الآن تحت شجرة ما لتحلم أن تحجز رحلتك القادمة إلى أحد الكواكب البعيدة، وتطل على نقطة صغيرة زرقاء على صفحة هذا الكون اسمها الأرض.

 

aalmansari@

[email protected]