يعد تمويل المشاريع التنموية وإنجازها هدفا رئيسا من أهداف الميزانية العامة، والمواطن العادي هو المستهدف الأول والأخير من البرامج والمشاريع التي تعلن كل عام، وبالتالي يمكن القول إن الميزانية ذات صلة مباشرة بالمواطن، ومن المهم معرفة حجم تطلعاته وطموحه لتلك المشاريع، وما إذا كان هناك تناسب بين ما تم اعتماده في ميزانيات السنوات السابقة، وما تم تنفيذه وإنجازه على أرض الواقع، ومدى جودة ما أنجز، لأن اعتماد المشاريع وتخصيص الميزانيات لا يعني بالضرورة إنجازها.
فالحديث عن الأعداد الكبيرة من المشاريع المتعثرة لا يمكن أن يتم في وجود متابعة دقيقة لنسب الإنجاز الربع سنوية أو النصف سنوية أو حتى السنوية للمشاريع العملاقة التي يتم إنشاؤها على مراحل قد تمتد إلى خمس سنوات أو أكثر، وتحدث المهندس عبدالله البابطين المدير العام لمتابعة عقود الأجهزة الحكومية والشركات بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» في منتدى التشييد مؤخرا حول قيمة المشاريع المتعثرة، والتي تصل إلى نحو 40 مليار ريال بنسبة تقارب 33 % من تلك المشاريع، وأرجع المهندس البابطين أسباب تعثر المشاريع إلى ضعف التخطيط وانعدام الرؤية عند من يخططون لتلك المشاريع، وأخرى تتعلق بضعف الإمكانات الفنية لبعض الشركات المنفذة للمشاريع الحكومية، مضيفا أن أهم أسباب التعثر بعد الترسية ضعف كفاءة جهاز الإشراف الفني التابع للجهة الحكومية وعدم مشاركة فروع الجهات الحكومية في المتابعة والإشراف، وضعف كفاءة أعضاء لجان الاستلام الابتدائي والنهائي للمشاريع.
ورغم صعوبة إصدار حكم عام على كافة المشاريع، إلا أن السمة الغالبة لمستوى إنجاز المشاريع التنموية المتعلقة بالقطاعات الخدمية لا تزال دون مستوى التطلعات، وبحاجة إلى مزيد من الجهد كي تحقق الهدف الرئيس منها، فتعثر عدد كبير من المشاريع التنموية، وبقاء بعضها لسنوات في مرحلة التدشين رغم اعتماد ميزانياتها، وتدني جودة بعض المشاريع التي تم إنجازها، وافتقادها للحد الأدنى من معايير الجودة والكفاءة، تؤكد أن هذه المشاريع عرقلت هدفا رئيسا من أهداف الميزانية العامة، ولم تقدم للمواطن المستهدف احتياجاته الخدمية، لذلك لم يرها على أرض الواقع حقيقة ملموسة.
وهذه المشاريع المتعثرة ليست محصورة في قطاع معين أو وزارة معينة بل تشمل جميع الوزارت بدءا بالتعليم العام والصحة، ومرورا بالمياه والبلديات، وانتهاء بالطرق، وبالتالي فإن الأثر السلبي لهذه المشاريع المتعثرة متعدد، ويشمل المواطن، والمجتمع، وتكلفته الاقتصادية والاجتماعية باهظة جدا، كونه يؤدي إلى زيادة تكلفة الحصول على الخدمات المختلفة، مما يعني تكلفة وعبئا إضافيين على المواطن، كما أنه يضطر الجهات الحكومية والمسؤولة إلى خلق حلول موقتة تكلفها مبالغ طائلة، إضافة إلى أن هناك ارتباطا وثيقا بين الفساد وتعثر المشاريع فكلما زادت المشاريع المتعثرة فى المجتمع أدى ذلك إلى سوء استغلال الموارد المتاحة لتلك المشاريع، مما قد يؤدي في نهاية المطاف - وهي مرحلة أتمنى ألا نصل إليها - إلى فقدان المواطن الثقة في الجهات الحكومية، وأجهزة الرقابة والمساءلة.
ومع اقتراب إعلان الميزانية العامة التي لا يفصلنا عنها سوى أيام، ستواصل وفقا لتصريحات وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف تنفيذ مشاريع تنموية ضخمة والإنفاق على برامج التنمية، وتحقيق نمو اقتصادي إيجابي نتيجة الإنفاق والدور الحيوي للقطاع الخاص السعودي، رغم التحديات الحالية التي تمر بها أسعار النفط، وهو أمر جيد ومحفز، وبشارة خير للمواطن، والاقتصاد، لكن الخوف كله أن تواجه المشاريع الجديدة نفس مصير سابقتها من تعثر وتأخر، ولا ينعكس أثرها على المواطن الذي جعلته الحكومة محور هذه البرامج والمشاريع التنموية والمستفيد الأول والأخير منها.
لذلك فإن الحاجة إلى تقييم المشاريع الحالية للتأكد من مدى تناسب ما تم اعتماده من مشاريع مع ما تم تنفيذه وإنجازه على أرض الواقع، وإعادة النظر في الآلية المتبعة في متابعة مشاريع التنمية اللاحقة؛ الخطوة الأولى لضمان تنفيذها بالشكل الصحيح، وتجاوز مشاكل التعثر بما يعكس مستوى وتطلعات المستهدف الأول منها، فاعتماد المشاريع وتخصيص الميزانيات، والاكتفاء بوعود المسؤولين لم تعد كافية للحد من التكاليف الاقتصادية والاجتماعية الباهظة جدا للمشاريع المتعثرة.