في كل مرة أقرأ فيها خبرا من عينة «صك مزور ينهب أراضي متنزه جدة الوطني» أو «مطاردة بين رجال الهيئة وشباب تنتهي بمقتل شابين» أو «إغلاق معمل للخمور» أو «118 شخصا ضحايا سيول جدة» أو «المحكمة تدين 4 قياديين في الجامعة بالتزوير واستغلال النفوذ» أو «انهيار كبري بسبب مياه الأمطار» أو «الشرطة تقبض على عصابة ارتكبت 50 حادثة سرقة» أو «مغتصب يعتدي على 13 فتاة» أو «سطو مسلح على سوبر ماركت»، ومحاولة تعقب الفاعلين فيها، ستجد أنها لا تقتصر على فئة معينة من المجتمع دون أخرى، بمعنى أنها تضم نافذين ومسؤولين بالدولة وشخصيات دينية وأخرى أكاديمية ومعلمين وشبابا وشيبا ومهمشين وعاطلين عن العمل وأوغادا.
هذا الأمر يقودني إلى التساؤل؛ كيف يجرؤ أحد على ارتكاب هذه الجرائم في بلاد يدعي أهلها أنهم كلهم مسلمون، وتضم أطهر بقعتين على ظهر الأرض، ودستورها كتاب الله وسنة نبيه، ومساجدها تنافس منازلها عددا، وخريجو جامعاتها الدينية بالآلاف، وثلثا رجالها ملتحون، ومثلهم متصدقون، ونصفهم مقصرو ثيابهم، وربعهم مزكون، وفوق هذا وذاك يعتقدون بصحة عقيدتهم في مقابل الأمم الأخرى؟
الأكيد أن جهاتنا الرقابية برغم تعددها وتنوع قوانينها ومسؤوليها، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في كبح جماح المعتدين على نظامها أو المستبيحين لحرمة مالها العام.
والسبب كما أرى نتيجة تراجع مستوى قيمنا الأخلاقية، وهشاشة أنظمتنا العقابية مع غياب المحاسبة الحقة، مما ساهم في تنامي الاعتداءات، لتنتقل من فئة النافذين وذوي الجاه إلى أصغر موظف في أصغر دائرة حكومية.
وبات من غير المستبعد أن يأتيك مراقب في إحدى الجهات ويطالبك برشوة 500 ريال ليغض الطرف عن مخالفتك أيا كانت، أو أن يشترط عليك مسؤول في جهة ما مبلغ من 6 أصفار لتمرير صفقة ما.
المفارقة أن سبل الإصلاح والمعالجة ليست عصية على الإيجاد، بدليل نجاح وزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق الربيعة في تحويل وزارته من وزارة كسيحة يعاني منها الجميع، إلى فرس رهان يتطلع إليها الكل.
في مقابل قطاعات أخرى ما زالت تراوح مكانها منذ سنوات، فلا هي بالتي حسنت أدواتها لخدمة مجتمعها، ولا بالتي حصنت نفسها من الانزلاق في مستنقع الفساد.
ليبقى السؤال هل الشق أكبر من الرقعة كما يقال في المثل الشعبي أم أن هناك أملا في الغد ولكن يحتاج لإرادة حقة لظهوره؟!

