(0)
هي الأقدامُ المثقلةُ بما تحمِله من جسدٍ أتخمتهُ حالاتُ الاستبدادِ إذ جعلت منه عبئاً على قدمينِ عاريتين لا شُغل لهما غير أن تطآ على عاتقِ الشوارع فتئنّ هذه الأخيرة بحشرجةٍ جنائزيّةٍ تَشي بأنّ أديمَ هذا الإسفلت مَن بقايا رُفاتِ المُهمّشين ولا عزاءَ لشيخِ المعرّة أبي العلاء ذلك أنّ تخفيفَ الوطء ليسَ من شيمِ الحُفاة!
(1)
مَن سيربتُ على كتِفِ الشوارع إنْ هي أنّت؟ لا أحد! إذ إنّه ما من أحدٍ يُضحي بكفيه فيفقدهما فالرّابتون على أكتافِ الشوارعِ هم الذين قد خسِروا أيديَهم يومَ أنّ دعستها السيارات الفارهة تلك التي تنبتُ فجأةً بين يدي كلّ موكبِ ثُمّ لا تلبث أن تَختفي فيما الشوارعُ تغرقُ في بحرٍ لُجّيٍّ من أكفِّ المُشرّدين وأصابعِ الفقراءِ وسواعدِ المُتسوّلين ظلماتٌ بعضها فوقَ بعض إذا أخرجَ يدَه لم يكد يراها هي العَتمة ولا ضوء حيثُ لا نفق!
(2)
إنّ الشوارعَ كانت مُعبّدةً تعشقُ السِّلمَ وله قد ذَلّلت كلّ سُبُلِها وما من شيءٍ يُمكنه أن يضطرّها إلى أن تلجأ إلى العنفِ الوحشيِّ إلا حين تشعر بأنّ الذي يمتطي مَتنَها قد فُرّغَ من الإنسان الذي فيه وبهذا المعنى صارت الشّوارع إنساناً أكثر من الإنسانِ نفسهِ الذي ما فتئ يُبدي تبرّمه حينَ يُنعتُ بـ: ابن الشّوارع!
(3)
في أقصى حَلْقِ الشوارعِ لهاتٌ تتدلّى قاب قوسين وأن تنقَطِع بل أدنى من ذلك فانسحقت لهواتُ الشوارعِ تحت بسطارٍ خشن الكعبِ طويله ومن يخسر لهاتُه يتعذر عليه أن يَصرخ مهما كانت العصا غليظةً أدرِ ظهرَك فما خُلِق الظهر إلا قفىً تستلقي عليه ابتغاء النوم أو جِراباً تُستودَع فيه العِصي!
(4)
مُنفَتحةٌ هي الشّوارعُ على كلِّ شيءٍ يُمكن أن يأخذها بأيّ اتجاهٍ يسلكه العابرونَ حيثُ شاؤوا هي إذن كونٌ مصغّرٌ ينطوي فيه العالمُ الأكبرُ وحيثما كانت الشّوارعُ المكتظّة بالأسئلةِ فَثَمّ الإنسانُ الذي يَلِدُ مُستقبَلَهُ من رحِمِ تخوم الأرصفة في وقتٍ يتراوحُ فيه الزّمنُ ما بينَ عبثيّةِ الرّماد وبينَ فوضويّة الوردِ.
(5)
للشّوارعِ ذاكرةٌ مُحمّلةٌ بكلّ شيءٍ ينوءُ بها لها ظاهرٌ وباطنٌ عصيٌّ على التأويلِ تُشبه هذه الذّاكرةُ المتمردةُ في هذا التّجلي الخفي ذلك النّص غير المقروء والذي تهتِكُ سترَ كمونِه المفاتيحُ التي تتدلّى مِن على ثقبِ بابِ الفعلِ والذي يُحرَض على تجاوزِ المألوف ليكونَ بالتالي ضدّ ذاكرةٍ قد طاولها الخَرف فأضحت مسكونةً بالوجل حتى يأتيها الأجل!
(6)
هَرِمت الشّوارعُ ابيضّت مفارقُ إسفلتِها تقوّس ظهرُها اتّخذت لها عصا تتوكأُ عليها وتهشُّ بها على أعمدةِ الإنارةِ فتنطفئ وتسّاقطُ الظّلمةُ بين أقدامِ العابرين يركلونُ الظّلمةَ تارةً بينما تتولّى رَكلهم في كلّ تارةٍ حتى استحالوا جزءاً من الإسفلتِ تلك هي حكايةُ نهايةِ كلّ شارعٍ ينتظرُ معجزةً تأتي من السماء في حين أنّ عودةَ الشارعِ الشّيخِ إلى صباه تأتي من الأرض!
(7)
أبجديّةُ الشوارعِ مكوّنةٌ من حرفٍ واحدٍ بائسٍ يُلَبّي الحاجةَ في الافتقارِ عوزاً إلى الخنوعِ فيأخذها جرجرةً إلى مراتِعِ الصمتِ فبأيّ لُغةٍ إذن سيعبرُ النّاس طُرُقاً وَعِرةً وهم بِعْدُ لم يتعلموا الأسماءَ كلّها اهبطوا منها إلى قعرِ جحيم الإسفلت إلى حينٍ تعرفون فيه أنّ الأبجديّة تسعةٌ وعشرون حرفاً ليسَ فيها أيّ حضورٍ لحرفِ خيْبِتِكم!
(8)
قالوا عن ليلِ الشوارع بأنّه داعرٌ ودنيءٌ يُضمرُ خُبثاً ويبحث عن ذنبٍ يقترفهُ حتى يكون بذلك بطلاً قومياً وقالوا عنه: بأنّه بقيّةٌ من أشلاءِ إنسانٍ مخمورٍ يتسكّع حيثما قادته النّشوة إذ تؤيه مزبلةٌ رفقةَ كلبٍ يعلمه كيفَ يكونُ النّباح عزفاً وقالوا عنه: عربدةٌ يجعلُ من المضاجعةِ عنواناً لفحولته ويمعنُ في الهرب من الشمس الحارقةِ إلى ظلامِ الوحل الذي يُغرقه فيكتم على أنفاسِه ليموتَ تالياً وهم لم ير النهارَ إلا في اللحظةِ الخاطفةِ يومَ أن عَبَر بياضَهُ إلى علبةِ الليل.! صوتٌ ينبعثُ من تصدّع تشقّقات الإسفلت سائلاً: مَن ذا الذي جعلَ من ليلِ الشوارع بائساً يتسوّل حقّه؟!
(9)
كُفَّ عن الأنينِ يا أيها الشارعُ فما أنتَ إلا قطيعٌ هنا البرسيمُ وهَهنا حبلٌ وثَمّ سكينٌ إن لم تكفّ عن الثُّغاء
مُت بداء الصمتِ خيرٌ
لكَ من داءِ الكلامِ
إنما السالم مَن أل
جَمَ فاهُ عن الكلامِ
(10)
طفلٌ اتّخَذَ له من الشارعِ مأوىً كَبُرَ في ظلّهِ أضحى ابناً له ماتَ الشارعُ بعدَ عمرٍ مديد ورثَ الطفلُ عن أبيه الشارعِ ذلَ الأقدام تكاثرت الأقدامُ على الطفل افترشته صارَ اسفلتاً لما أن توسطَ في العمرِ عتيّا خلفَ والده فألفيناه هو الشارع ومن شابه أباه فما ظّلِم اكتشفنا بعدئذ أن والده الشارعَ كان في الأصل طفلاً!
(11)
عبثاً هززتُ منكب الشارعِ ابتغي إيقاظه تقدّمَ أحدُهم منّي بحذر قائلاً: دعه فقد قضى ليله ساهراً. فأجبتُه: كم ودِدتُ لو أنّه ينامُ ليلاً ذلك أنّ أحلام النهار مُفزِعةً. أفاقَ وابتدرنا قائلاً: هل دقّت ساعةُ الدّوام. اخضرّت الإشارة الضوئية فتدفّقت المركباتُ بسرعةٍ جنونيةٍ تكسّرت على إثرها أضلاع الشارع وإنّي لأسمع طقطقة تكسّرها بأذنيّ هاتين. الحياةُ للسائقين تنبعثُ صبيحةَ كلّ يومٍ حيثُ تدكّ إطاراتُ عجلاتِ مركباتِهم أحشاء الشوارع.
(12)
ما من شيءٍ هو أشدّ شبهاً بالشوارعِ من الغراب كلاهما أسود في كلّ شيءٍ وكلاهما ينوح وكلاهما يرثيان غائباً لا نعرفه للغراب أجنحةٌ وللشوارعِ أرصفةٌ للغرابِ منقارٌ وللشوارعِ نفقٌ الغراب أفلح إذ وارى سوأةَ أخيه والشوارع لم تزل بعدُ تفكّر كيف تواري سوأتِنا!