صدَّر الإعلام العربي في حقبة منتصف القرن الماضي، إلى الذاكرة العربية أعذب الأصوات من مصر والشام والعراق في مجال الغناء، وصدَّرت تلك الأصوات للذائقة وحسِّ التلقي عشرات القصائد العربية للشعراء قديماً وحديثاً بألحان مميزة، وأداء خلاَّق، وصاغت تلك الحالة ذائقة جيل بأكمله ربت ونمت حاسته الجمالية على فيض أصوات وقصائد العباقرة، وارتبطت تلك الظاهرة في بعض انعطافاتها بالفن الشعبي، وبمرحلة من مراحل الثورة ضد القهر والظلم والاستبداد، وتوقاً إلى الانعتاق وفضاءات الحرية، كما هو الحال في سيرة أحمد فؤاد نجم وشيخ إمام. ولعل ثمة ثنائي غيرهما - معهما وبعدهما، في غير مكان من الوطن العربي- شكَّل نموذجاً من نماذج تلك الظاهرة، كما في الثنائي العصري محمود درويش ومارسيل خليفة، عندما قرأ خليفة قصائد درويش وآمن بقضيته، وقدَّم مجموعة من قصائده كأعمال غنائية تصدح بأناشيد الوطن والحب والحرية والجمال، وأشواق الإنسان وأشجانه، وكما هو الحال مع لطفي بوشناق واختياراته في أعماله الغنائية المدهشة.
وفي تلك الحقبة وبدايات تألق ووهج حضور عمالقة الغناء العربي، لم يكن ثمة حينها غير الإذاعة والمحطات التلفزيونية الرسمية، وكانت هاتان الوسيلتان محكومتين بنطاق انتشار محدد، لم يكن يملك تقنيات وإمكانات فنية ومساحات انتشار كما هو الحال اليوم، الذي تنوعت فيه وتعددت الإذاعات والقنوات، وتطورت تقنياتها، ولم تصدِّر للجيل الجديد، وذائقته، (أعذب الأصوات وأجمل القصائد)، ولم تسع إلى (غايات نبيلة ومقاصد تُحترم)، وإن سارت بالإصرار القديم ذاته، ولكن إلى مقصد مختلف وغاية مغايرة.
لقد صدَّرت الأصوات النشاز، والقصائد الرديئة، والأعمال والبرامج الهابطة، وانحدرت بأذواق جماهيرها ومتابعيها، وأسهمت في تعميم حالة من الانحطاط الفكري والأخلاقي، وتنافست على تأصيل الفراغ القيمي، وإشاعة الابتذال وفساد الذوق. وشرعت في فتح ميدان التنافس والمغالبة على تسويق الرداءة والإسفاف، وابتدعت موضوعات لمسابقات، الغناء فكرتها الأساس، ولكن بمقومات وسيناريوهات أقرب إلى العبثية والتهريج، في مشاهد غير محترمة، تستقطب ملايين من الشباب، شباب ليس بوسعك تسفيههم، أو تجهيلهم؛ لأن حواسهم خامات بيضاء، تواقة لمن يشكِّل على صفحاتها شيئا له معنى، أو يدفعهم صوب قيمة، أو هم حقيقي، إلا أن ملاَّك المحطات، يتبارون بالمتاجرة بوعيهم ومشاعرهم.
ويوالون اجتذابهم واصطيادهم بمشاهد أضحت - من كثرتها واكتظاظ الفضاء المرئي بها - مألوفة متشابهة، تتمايز بدرجة التدني وتحصيل النصيب الأكبر منه، وتتعدد بعناوين متغايرة، وبعضها مستنسخ أو مختلس من أقنية غربية، يعرِّبها العربي في أزهى عصور انحطاطه وهزيمته، فكان من نتائجها، ذلك الجيل الهش والمغيَّب.
ولذلك لا نعجب، إذا ما شكا فنانان أصيلان، ومثقفان محترمان كمارسيل خليفه ولطفي بوشناق، وتوافقا على أن المحطات الإذاعية والتلفزيونية العربية، نجحت في جمع العرب على النماذج الرديئة فنياً وفكرياً. وأقصت الفن الحقيقي، والأصوات الأصيلة، والأعمال المتميزة.
وفيما تتوسع نطاقات هذه الظاهرة وتتنوع نماذجها، فإنك لا تلبث تسمع أصواتاً هنا وهناك، تهذي بما يشبه الموات، بميثاق الشرف الإعلامي العربي، صوت غاط في رماد النسيان، يتعافى بريقه مع كل اجتماع لوزراء الإعلام العرب، الذين كثيراً ما حدثتنا بياناتهم وتوصيات اجتماعاتهم عن ذلك الميثاق الهلامي، الذي لا يحرك حماسهم تجاهه إلا عندما يتنزَّل الإعلام العربي إلى درك بغيض من المناكفات والمخاشنات السياسية، التي تصل تداعياتها أحياناً إلى درجة القطيعة بين الحكومات، والتدابر بين شعوبها.
بينما لا تحرك حماسة الوزراء ولا مؤسساتهم وخبراءهم ومستشاريهم، حالة الضعة في مضمون ما ترعاه وتتبناه وتتنافس عليه وتبثه قنوات يملكها مواطنوهم وتجارهم، ولا يقض مضجعهم ما تصدِّره تلك القنوات من غثاء وهباء، ولا ما لحق بشباب أوطانهم – بسببها - من هوان وابتذال وسطحية.
والمفارقة هنا، أنهم لم يفلحوا في صياغة - أو التوافق على- ميثاق شرف إعلامي (سياسي)، ولا هم أفلحوا في ضبط وتيرة الملهاة العبثية طويلة الأمد، التي تُقدم للناس باسم الفن وبرامجه ومسابقاته.

