يتحرك الإنسان في هذه الحياة فهو (حارث وهمام) وهما أصدق أسماء الإنسان كما في الحديث النبوي، وهو في كثير من حركته يسعى إلى صالح نفسه، أو هكذا في بعض الأحيان يتوهم.
فحين تأتي بعض المواقف وتحصل بعض الأحداث يتكشف سعيه أنه لم يكن لأجل صالح نفسه وسعادتها وتحقيق مصلحته!! بل قد فاته الشيء الكثير من المصالح والمنافع الجسدية والعقلية والنفسية، وفي شأن حياته ومعاشه وأعماله وأمواله. إن تلك المواقف والأحداث التي كشفت عن هذه النتيجة. تم تقديمها له في وقت متأخر أو غير مناسب إطلاقا. والسؤال: ما الذي شغل هذا الإنسان عن نفسه حتى وصل إلى هذه النتيجة؟ وهل يمكن تطوير التعامل مع الذات بطريقة تمكن الإنسان من وعي أكبر ينقله من الفعل المستهلك إلى الفعل التنموي.
إن الذي شغل الإنسان عن نفسه ليس مجرد نمط التفكير! أو نمط السلوك فقط! ولكن الإنسان كثيرا ما كان يجهل من هو؟ وبدل أن يسأل نفسه: من أكون؟ طرح على نفسه السؤال الثاني: لماذا أكون؟ وبعد ذلك اجتهد كثيرا للإجابة عنه! ونتيجة للخطأ في ترتيب الأسئلة! وجد نفسه أمام إجابات مضطربة وقلقة. وتعامل مع ذاته بدونية لا تليق بالتكريم الإلهي للإنسان. ومن هنا فإن عودة الإنسان إلى ذاته تتطلب أن يقوم بطرح السؤال الأول كما هو: من أكون؟ ليجد في القرآن ما يهديه (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وفيه أيضا (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين)، وهذا يعني الكمال الإنساني الذي أوجده الله عليه. وهو ـ أي الإنسان ـ حين يختار غير هذا الكمال فإنه يتحمل مسؤولية تحوله عنه إلى أدنى من ذلك، وربما يصل به التدني إلى أسفل سافلين. وإذا كان هذا هو اختياره وتحت مسؤوليته، فإنه متى استيقظ واستنار وعاد إلى قوة الكمال الأول، أصبحت حركته بقيادة فطرته التي خلقه الله وصبغه عليها.
ومن خلال هذا الكمال الإنساني يستطيع أن يجيب على سؤاله الثاني: لماذا أنا موجود؟ أو لماذا أكون؟ ليجد حكمة كبرى من وجوده وهي أن يعكس حكمة الخالق في خلقه، وأن يكون في قوة الاتصال، متخليا عن أي فكرة توهمه بالانفصال.
نقول هذا الكلام لأننا ندرك أن انشغال الإنسان عن نفسه كان نتيجة أخطاء متراكمة عبر ثقافات وعادات تعليمية وتربوية طال بسببها تيهه وطغيانه، وتعطل الكثير من جوانب حياته وتأثمت الكثير من حركاته، واستبدل السعة بالضيق، والبسط بالقبض.
أي إنه مشغول بالدفاع عن وجوده المهدد وحقوقه الضائعة، فهل تحول معنى الوجود إلى إثم وشرور وعدوانية، وحتميات يفرضها الإنسان على ذاته، ثم ينشغل بحراستها وتثبيتها! لقد اتخذ الإنسان إلهه هواه، وابتعد كثيرا عن منابع الحكمة الكونية ومصادرها. وهذا هو الانشغال الأكبر عن الذات، وكل انشغال تفصيلي آخر فهو نتائج تحدث عنه وترجع إليه. وهو إن أراد خيرا لذاته عاد إلى جوهر كماله في (حريته واختياره)، ليجعل من وجوده حكمة تشرق كالشمس لكل الحياة وكل البشر، ولأجل أن يتحقق الإنسان بتلك الحكمة فلا بد أن يحب، وأن يذهب في طريق الحب إلى حيث يريد الحب، فالحب هو العلاقة بين الله وخلقه، بين السماء والأرض (يحبهم ويحبونه)، ليحصل الخير وينحسر الشر على أهله، فينعم الإنسان بحياته حارثا وهماما من أجل تحقيق مصالحه ومنافعه، فهو لن ينفع الله بطاعة، ولن يضره بمعصية، وإنما ينشغل بنفسه لنفسه، وليس عن نفسه، وكم في القرآن الكريم من هذا المعنى (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير).