كل من يمر بهذا المكان المحتشد بالذكريات والتفاصيل يهمس في نفسه شفيفا (بأن كانت هنا قرية)! نعم إنها قريتي ومسقط رأسي، حيث مراتع الصبا والتهيام، وملتقى الأحباب والأصحاب، تلك التي ترقد على الضفة الغربية لنهر النيل العظيم، فهي في كل صباح تستحم بمائه لتغسل عنها وساوس الليل وأحلامه المزعجة.
هي أنيسة النيل وأليفة الشواطئ، يحاصرها الجمال من كل ناحية حيث أشجار النخيل تجود بالرطب، والمزارع الخضراء تهب الناس الحياة والأمل، هي في كل مساء تطرب لحكايات وأساطير النيل التي يقطع فيها آلاف الكيلو مترات من المنبع إلى المصب.
لكن هذه العلاقة الحميمة لم تدم طويلا! كشر النيل عن أنيابه في موسم الفيضان، وارتفعت مناسيبه في كل الأحباس وخرج عن مجراه، والتهم قريتي وافترسها كما تفعل الوحوش.
كنا نجهل غضبة النيل وهيجانه في الموروث الشعبي القديم في جنوب الوادي (السودان)! كانوا عندما يفيض النيل ويحاصر مزارعهم وقراهم يقدمون له فتاة من حسناوات القرية هدية يرمونها في جوفه لتحد من غضبه وهيجانه ويعود لمجراه الطبيعي!
وكان يفعل كما نظن! لقد هاجرنا من قريتنا كما فعل الروائي العالمي الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال)، بكل الإسقاطات والحنين للوطن ومضاعفات الهجرة والاغتراب.

