ليس من المنطقي أن تُغفل مؤسسات التعليم ما بعد الثانوي حاجة القطاعين العام والخاص من التخصصات والمؤهلات، أو لا تحاول ربط مخرجاتها بذلك بشكل تقريبي، أو الاستئناس برصد واقع الحاجة الفعلية لتلك المخرجات، كما أنه ليس من المقبول العمل على إقصاء بعض التخصصات والفروع العلمية بشكل كامل، وإغلاق الأقسام العلمية الخاصة بها، وإيقاف القبول بها تمامًا لعشرات السنوات، أو الاكتفاء ببرامج الدراسات العليا بها، كما أن تخريج (أعداد كبيرة) في التخصصات التي تبدو حاجة سوق العمل إليها قليلة ووجود أقسام كثيرة في هذا المجال وربما على مستوى المؤسسة العلمية الواحدة هو خطأ تتحمل مسؤوليته تلك المؤسسات.
وإذا ما انطلقنا من التسليم بأن كل علم من العلوم له عشاقه ومحبوه، وأن من هذا العشق وهذه المحبة ما يجعل بعض الباحثين والمهتمين المولعين بدراسة نوع معين من المعرفة أو التخصص فيه يتجاوزون مسألة (الوظيفة) إلى الرغبة في تحقيق الذات بدراسة هذه المعرفة والتعمق فيها، وربما كان لصاحب هذه الرغبة خطته الخاصة به للتعاطي مع هذا التخصص المرغوب على النحو الذي يجعل منه شخصية استثنائية أو غير تقليدية فإن إتاحة مختلف الفروع العلمية أو التخصصات للدراسة هو أمر ضروري.
وإذا كانت تُعد مسألة عدم وجود وظائف لخريجي التخصص مشكلة فإن الحل ليس في إغلاق هذا التخصص؛ لأنه سيأتي اليوم الذي تبدو فيه الحاجة إلى هذا التخصص ملحة، ومن هنا فإن الموازنة بين القناعة بأن المعرفة ينبغي أن تكون متاحة وبين الحاجة الفعلية لخريجي هذا التخصص ضرورية، وهي تتأتى بإبقاء هذه الأقسام والبرامج، مع ترشيد القبول فيها بالطريقة التي تضمن عدم انقطاع المتخصصين في هذا المجال وعدم إغراق سوق العمل بما لا يحتاج.
ويكفي أن أدلل على حاجة وزارة التعليم العالي الملحة لضبط هذا الأمر بتخصصي التاريخ والجغرافيا من جانب وتخصص الإدارة من جانب آخر مع الإيمان بأهمية هذه الحقول العلمية على حد سواء، فالتاريخ والجغرافيا بصرف النظر عن أهميتهما الوطنية تم إغلاق كثير من أقسامهما على مستوى المملكة وخصوصا في كليات البنين إلى الدرجة التي تجعل المتخصص فيهما الآن نادرًا مع وجود الحاجة، وفي المقابل تتعدد أقسام الإدارة في مختلف الجامعات وكلياتها في الفروع بشكل واضح، فضلا عما يضخه برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي من أعداد كبيرة من المتخصصين في هذا المجال، إضافة إلى وجود برامج (دبلوم) في هذا التخصص في الكليات التقنية وكليات المجتمع يتخرج منه سنويًّا آلاف الطلاب.
التعليم بعد الثانوي.. حاجة المعرفة وحاجة سوق العمل
مفلح زابن القحطاني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
