مما يشار إليه في قراءة الكشوفات الوقفية، أن المرأة المكية كانت تقوم على نظارة الوقف متى أرادت ذلك، مع الإشراف الكامل وحرية التصرف في ذلك، وإذا لم يتسن للمرأة أن تكون ناظرة للوقف العام، فإنها تمكنت من النظارة الخاصة لوقفها الخاص أو لمن تتولى أمرهم.
والمرأة في الوقف المكي لها تاريخ بارز وأصيل في تاريخ هذه البقعة المباركة، بل لا نبالغ إن قلنا إن أول من صنع للناس معروفا في مكة كانت امرأة! وقد رأينا فيما يرويه التاريخ أن هاجر عليها السلام عندما وجدت ماء زمزم، جاءتها قبيلة جرهم فقالوا لها: الماء لك ونبقى معك في هذا الوادي نشاركك فيه ونؤنسك، فرضيت عليها السلام.
ومن عجائب القدر أن تأتي زبيدة زوجة الرشيد رحمهما الله لتوقف عين زبيدة إعانة لأهل مكة ووقفا عليهم.
ولقد كانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها أول من أوقف في الإسلام، حيث جعلت كل مالها في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام.
فليس غريبا على المرأة المكية أن توقف وقفا أو تحكر وقفا أو تكون ناظرة على وقف، فهي بيئة يتوارث فيها الناس الطبائع والأخلاق.
ومن الدفاتر السلطانية نجد المرأة المكية تشارك في النظارة الوقفية الخاصة بها دون حاجة إلى الرجال ليقوموا بالنظارة والإشراف عنها على الوقف، فإذا كانت النظارة نوعا من الولاية التي تشترط العقل والأمانة والقدرة وما إلى ذلك، فإن المرأة حقيقة بإدارة ما هي ولية عليه.
ومن أشهر ناظرات الأوقاف الخاصة كما هو مدون في الدفاتر الشريفة شمسية بنت الشريف عبدالمطلب بن غالب رحمها الله، وكانت ناظرة على أوقاف الشريف غالب رحمه الله.
كما ورد في الدفاتر السلطانية في إثبات حدود وقف المرحوم عمر بن المرحوم السيد عبدو الحريري المطوف في كشف رقم 14 صحيفة 9 بما نصه:(صور ما دل عليه الكشف من دفتر مسقفات وقف المرحوم السلطان محمد قايتباي طيب الله ثراه... عما هو خاص باسم المكرم السيد عمر بن المرحوم السيد عبدو الحريري المطوف).
إلى قوله: (ويمنا بالدكان من وقف المرحوم سيدنا العباس رضي الله عنه الجاري ذلك تحت نظارة المصونتين فاطمة وخديجة بنتي المرحوم السيد المنوفي...) وحرر ذلك الصك 21/11/1343هـ .
ونجد المرأة تتصرف في وقفها أو ما استحكرته من الوقف وقامت عليه، فهي تفرغه لمن شاءت، وتشتري متى شاءت، وهذا تكريس للثقافة المكية في تكريم المرأة كما تقدم في أكثر من حلقة سابقة.
ورد في الكشوف من وقف السلطان سليمان خان رحمه الله بنمرة 63 صحيفة 35 ما نصه:(عما هو خاص باسم المصونة أم هاني بنت الشيخ محمد علي الريس، ابن محمد عمر الريس، وذلك قيراط واحد شائع في أصل أربعة وعشرين قيراطا هي كامل الدار الكائنة بمكة الشرقية بحارة الشامية بالقرب من باب الزيادة...) إلى قوله: (أذنت لأم هاني المذكورة أعلاه أن تفرغ استحقاقها من حق السكنى والانتفاع بالقيراط المذكور بباطن هذا الكشف على من شاءت ممن لا مانع من إجراء الفراغ حسب أصوله وقواعده المتبعة..).
قال: (ثم قيد القيراط الواحد المذكور أعلاه بالفراغ عن أم هاني المذكورة باسم المصونة مريم بنت الشيخ عبدالقادر خوقير بموجب كشف وحجة مؤرخة في 29/ رجب من عام 1359هـ ...).
النظارة الوقفية للمرأة المكية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
