أسهم عدد من برامج التواصل الاجتماعي، التي ينقل عبرها المستخدمون تفاصيل حياتهم اليومية، في إلغاء مفهوم الخصوصية التي ظلت لزمن طويل جزءا من الشخصية الاجتماعية للمجتمع السعودي، ولم تؤثر حدود الخصوصية المرسومة على أرض الواقع من تجاوز كثيرين لها الكترونيا حتى مع التزامهم بها واقعيا، إلا أن سحر برامج التواصل أغرى البعض لوضع تفاصيل يومياته على امتداد ساعات اليوم بالصوت والصورة، حتى أصبحت تلك التطبيقات (سناب شات وانستقرام وفيس بوك) المحور الرئيس للحياة الاجتماعية لكثيرين باختلاف أعمارهم.

صورة غير واقعية

ورأت الأخصائية الاجتماعية آمال الجراش أن برامج التواصل الاجتماعي تعكس صورة غير واقعية للمجتمع، لأنها تخلق نوعا من التمايز والاختلاف بين الحياة الواقعية وبين المجتمع الالكتروني، الذي جعل كثيرا من المراهقين والشباب ينسحبون من حياتهم الواقعية، ليصنعوا لهم واقعا الكترونيا مختلفا بشخصيات وأسماء مختلفة، ليعيشوا التناقض مع حياتهم الواقعية.

انفتاح غير مقنع

وأضافت الجراش «حتى من يتشاركون بشخصياتهم وأسمائهم الحقيقية، هم في الواقع مختلفون عما هم عليه الكترونيا، وهذا الانفتاح غير المقنع خلق لكثيرين انفصاما بين شخصية الكترونية يعيشون فيها دورا مختلفا عن حياتهم الواقعية التي يحكمها واقعهم الأسري والاجتماعي».
وأشارت إلى أن تطور برامج التواصل الاجتماعي وتدرجها في مستوى الحفاظ على الخصوصية ورغبة البعض في استعراض حياته الخاصة عبر هذه البرامج، جعلها تعكس تلك الصورة غير الواقعية، لتخلي المجتمع من خصوصيته، بينما الواقع مختلف، إذ ما زالت الفتاة التي تضع صورة هداياها من زوجها ومشترياتها من السوق وأكلها في المطعم تعيش واقعيا الخصوصية الاجتماعية السعودية.

تفتيت الأسر

وأكدت الأخصائية الاجتماعية أن برامج التواصل الاجتماعي أوجدت عددا كبيرا من المشكلات الاجتماعية غير المحدودة، ما أدى إلى تفتيت أسر، وضياع مستقبل كثيرين.
وعدّت أن الانفتاح الذي خلقته برامج التواصل كان له تأثير على واقع المجتمع، ولكن تأثيره ليس بالمستوى الذي تعكسه تلك البرامج، التي لا تعكس بالضرورة شخصية المستخدم، إنما تعكس توجها عاما لاستخدام البرنامج، فليس بالضرورة كل من وضعت صور رحلاتها وطبخاتها ومشترياتها تتشارك واقعيا مع الآخرين بهذا القدر من التواصل، لافتة إلى أن توجه المستخدمين دفعها للتشارك الكترونيا في أشياء لا تتشارك فيها مع الآخرين واقعيا.

قطع التواصل

من جهتها، أفادت الأخصائية الاجتماعية عقيلة حريز أن برامج التواصل الاجتماعي، رغم كونها تحمل مسمى تواصل اجتماعي، إلا أنها باتت تقطع التواصل الاجتماعي الحقيقي مع الأسرة والأقارب، إن لم تستخدم بوعي، ما أثر على طبيعية الأسرة.
وبينت حريز أن تلك المواقع أصبحت تحمل تناقضا واضحا، لسوء الاستخدام، ففي الوقت الذي يعرض الناس أدق تفاصيلهم اليومية وخصوصياتهم ومأكلهم ومشربهم للعامة، فهم بالمقابل يحجمون عن إلقاء التحية على أحد أفراد أسرتهم أو يمتنعون من تقديم المساعدة أو حتى يتخلون عن واجباتهم معهم.
معدّة ذلك نوعا من النفاق الاجتماعي أو هروبا نفسيا من الواقع.

انشغال الأذهان

وأشارت إلى أن المجتمع بهذه الطريقة بدأ يفقد هويته وخصوصيته في تعاملاته الاجتماعية، فالتكنولوجيا أصبحت إدمانا لكثير من الناس أكثر من كونها وسيلة منفعة، إذ إنهم لا يدركون أثرها على علاقاتهم الاجتماعية بلا وعي منهم، كما أنها قللت من مدة جلوس الأبناء مع أهاليهم، لانشغالهم الدائم بها، وحتى إن جلسوا معهم فيكون ذلك بلا حضور فعلي، فالذهن مشغول والحواس متحفزة.

رسائل جاهزة

وأرجعت عقيلة حريز سبب قلة تواصل الأسرة إلى الانشغال بتلك البرامج، كما أنها حرمت كثيرين من الود المتبادل في كثير من المناسبات الاجتماعية وتفاصيل الحياة الأسرية واليومية، فصرنا نجد أن أي واجب اجتماعي أو مهمة أسرية تتلخص في رسالة أو تهنئة جاهزة، فلا كلمات حقيقية ولا تواصل لفظي كالسابق، ولا زيارات معبأة بروح المودة والرحمة توسع العلاقات وتزيل الترسبات، حتى أضحت المناسبات خالية من المشاعر والكلمات العفوية الدافئة.

ثقة الكترونية

بدورها، اعترفت عبير المرزوق (تستخدم برامج التواصل الاجتماعي بشكل دائم) أن علاقتها الالكترونية واسعة ومعارفها كثيرون جدا، بعضهم من معارفها الواقعيين، بيد أن تواصلها معهم محدود بالفضاء الالكتروني.
وقالت عبير إن بعض من تتبادل معهن الصور واليوميات هن زميلات لها في الجامعة، وتلتقي بهن بشكل يومي، وليس بينهن سوى السلام، بينما تتبادل معهن الصور وتعرف تفاصيل حياتهن اليومية، مشيرة إلى أنها ربما تشعر بنوع من الخجل والتردد في توسيع علاقاتها الاجتماعية في الواقع، ولكنها تشعر بالارتياح والثقة في تكوين العلاقات الالكترونية.