من يتابع الزخم الإعلامي لقضايا كثيرة تحصل بالجوار وأقربها ما يحدث في مصر، ستصيبه الحيرة من اختلاف الأخبار المرويّة حول أي قضية، حيث تلعب البروباغاندا الإعلامية لعبتها لتسيير المشهد نحو الطريق الذي يخدم مصالح فريق أو حزب بعينه
وسوف يدرك بأن أي حدث ليس مؤكد الحصول بحسب رواية واحدة، وأن كتابة التاريخ لا يمكن أن تأتي بالاستماع لطرف واحد في صراع ما، بل إن مزيج الآراء والأخبار المتضاربة يساعد بشكل أو بآخر غالبا في تشكيل الحدث
وهذا الأمر يطرح تساؤلا بدائيا ملحّا: هل يكذب التاريخ؟يقول دان براون في رواية شيفرة دافنشي «التاريخ دائما يكتب بيد المنتصر، عندما تصطدم حضارتان ببعضهما، يُطمس تاريخ الخاسر، ويقوم المنتصر بكتابة التاريخ، يمجّد انتصاراته ويحط من قدر العدو» إذن كيف باستطاعتنا الإيمان بالتاريخ إذا كانت الروايات التاريخية تسير في الغالب وفقا لأهواء الطرف المنتصر؟ هذا الجدل الفلسفي لم ولن يتوقف، فكتابة التاريخ مشكلة ستظل قائمة إلى الأبد
في الحقيقة، من يهتم بما يقوله الطرف الخاسر فعلا؟ وهل ستسنح له الفرصة يوما للعودة ورواية التاريخ من منظوره؟ ثم هل يمكن أن نعتبر حدثا ما حصل قبل ألف عام حقيقة مؤكدة ونحن لم نستطع أصلا الاتفاق على صحة قضايا حاضرة نعايشها وتسير أحداثها الآن؟لا يمكن أن تخلو قضايا شائكة مثل حرب فيتنام والحرب العالمية الثانية والثورة الفرنسية والحروب الصليبية وفتوحات المسلمين من تدخل عاطفة المؤرخين لترجيح كفة أحزابهم، كما لا يمكن الجزم بشكل قاطع بصحة الرواية التاريخية لأحداث مفصلية كاكتشاف أمريكا واحتلال المغول لبغداد ومقتل الحسين، بل إن هناك أحداثا قد تكون برمتها كذبة تاريخية كمحرقة اليهود وصعود الأمريكان للقمر -في رأي البعض!وفيما يعتبر البعض أن الحكاية الآنية للحدث ليست حكما صائبا لأنها محكومة بالأيديولوجية الفكرية، وأن الرؤية الصحيحة لحدث ما قد تنجلي وتتكشف مع مرور الوقت حين تتواتر الأخبار وتتأكد الظنون، إلا أن ذلك ليس صحيحا دائما، فالآلة الإعلامية المهيمنة ستتمكن قطعا من فرض الخبر من وجهة نظرها (المؤدلجة غالبا) وتؤثر تبعا لذلك على صحة الخبر
أما في الروايات التي تتحدث عن حقبة تاريخية قديمة، فإضافة لجهلنا بالملابسات التي تحكمت في كيفية سردها، فإنها محكومة بأجندة الراوي أو على الأقل بجهله للحقيقة القطعية التي تم تغييبها
وللأسباب السابقة فليس من الضروري برأيي أن نقبل حتى القراءات التاريخية الموثوقة على أنها هي التاريخ الفعلي والوحيد، وإنما من الأصح تسميتها بالتاريخ المرجّح وقوعه، كما أنه ليس من الصائب أن نعتبر أصلا أن هناك أحداثا مسلم بصحتها
إنّ المتأمل في أزمة الرواية التاريخية للأحداث سيفقد الثقة تماما عندما يرى أنه مع كل التقدم التكنولوجي وتوثيق الأحداث بالصور والفيديو لم يكن ذلك يحسم الجدل في كل الأوقات، فما بالك بأحداث حصلت في عصور غابرة وأبطالها ليسوا سوى قصصا تروى في زمن يفتقر للتوثيق العلمي والتكنولوجي الذي نمتلكه الآن
يقول جاك غودي في كتاب سرقة التاريخ «إن الممارسات التى تؤدي إلى تشويه وسرقة تاريخ الآخرين، وتهميش وإنكار دورهم التاريخي والحضاري، هي أبشع أنواع العنصرية، وقد أدت إلى تحيز معرفي خطير تتوارثه الأجيال ليس فقط فى دراسة التاريخ ولكن في كافة العلوم الإنسانية والاجتماعية»
وبلا شك فإن هذا الأمر يندرج على جميع الأخطاء التاريخية المعروفة وغير المعروفة التي سجلها المؤرخون تجاه قضية ما، حيث يؤدي التحيز في السرد التاريخي إلى تزييف الحقائق بشكل مروع
وعودا على المثال الذي طرحته أعلاه عن المثال المصري لدور الإعلام في نقل الحقيقة التاريخية، فإن أحداث ٣٠ يونيو شكلت معضلة حقيقية في التأريخ للحدث، حيث انقسم الرأي بين اعتبار ما حصل ثورة أو انقلابا على الشرعية
وأيا كان الأمر، فإن ما يهمنا في هذه القضية هو أن الحقيقة المطلقة مغيّبة وأن وجهة النظر الشخصية تتدخل في تدوين التاريخ وبالتالي فإن التاريخ يمكن - بل من الوارد جدا- أن يكذب، ولهذا فإن المراجعات التاريخية مطلوبة دائما حتى في الأحداث التي نعتبرها حقائق ومسلمات لا تقبل النقاش
هل يكذب التاريخ؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
