كلما كان المجتمع بدائيا ركيك القوانين طغت عليه خصائص الفردانية، فيكون لكل مجموعة بسيطة من أفراده طقوسهم الخاصة، المتقوقعة على ذاتها.
أهل الصحارى يعشقون الفردانية، متنقلين بالبيد، متحاشين جيرة تشاركهم المرعى، وتقلقهم بتقليص حرية، أو سلب أو هلاك.
وقاطنو الأدغال ينقسمون إلى جماعات فردانية، تهاب إحداها الأخرى، ويمضون أعمارهم في تجهيز أفرادهم، وتسليحهم لصد أي اعتداء قد يأتيهم من الجار اللدود والمجهول، حيث تكثر الخرافات والطقوس الغبية.
تلك عيشة البشر البدائيين، حيث لا تحكمهم قوانين متحضرة، ولا مواثيق أمينة، فيتعنصرون ولا يتقبلون الآخر، وينازعونه حريته، ولا يتركون الفكر يرتقي بينهم بما يصل إليه في التعليم والبحث والتقدم والصناعات والزراعة والتجارة والصحة بطرق متطورة، لأن الخوف والشك يظلان يكتنفان كل عمل يقدمون عليه، وقد يكون أفضل منتج لمعيشتهم الركيكة هو السلاح، حتى وإن لم يتعد رمحا خشبيا بسن من العظم، أو حفرة مغشية بالأغصان، وحبلا لتكبيل العدو المتسلل من الجوار، وتعليق ساقيه في غصن شجرة.
تقدمهم إن وجد فهو لا يمت للجماعة بصلة، وهو ينكمش، ويتقوقع على أقل الجماعات عددا، ممن تضمن المجموعة تفانيهم وعدم خيانتهم.
العلاقات الأسرية المشدودة المتقلبة تظل لأقرب الأقربين، حين يناكد وينافس الجاهل، حتى، أخاه، ويكون عدوه الأكبر في الزمن المستقبلي، لذلك يستمر تفتت المجموعة، إلى جماعات أصغر، وتترسخ فكرة الفردانية بالحياة البدائية القشيبة.
وعلى عكس ذلك تكون الحياة الجمعية، المدنية، والتي تصاغ بالقوانين الواضحة، وتنار بالفكر، وتقوم على احترام حريات الآخرين، مما يجعل البشر ينطلقون في مسارات الإبداع الفكري، والمنتوج الصناعي، الذي من شأنه الوصول إلى أرقى درجات التحضر.
وفي هذه المجتمعات لا يكون السلاح هو الهاجس الأهم، فالمفكرون، والعلماء، يبحثون ويحققون في كل ما من شأنه رقي وراحة الإنسان، والكوكب الأرضي كافة.
وبمقارنة مجتمعاتنا المحلية الحالية بذلك نجد أن الفردانية أصبحت تتكرس، وتعود بنا حثيثا للماضي المخيف.
مدننا الكبيرة مجزأة إلى قلاع من الخرسانة، والحواجز، والحياة بيننا ترزح في صميم الفردانية، فالأغلب لا يأمن حتى جاره، والكل يعيش في عزلة تامة وخوف حتى من أقرب الأقربين.
تفكيرنا، إبداعنا، صناعاتنا وإن كانت نادرة، إلا أنها تؤصل لفكرة الفردانية، ورغم وجود القوانين، ورغم شيوع علامات التحضر المستحضرة من الخارج، إلا أننا نظل فردانيين منعزلين.
فهل العلة بظروفنا، أم بقوانيننا، أم بعقولنا التي ترفض الجمعية، وترفض الحب، وتنثر في أجوائنا بسمات زائفة، نداري بها ما يختلج في صدورنا من حب للعزلة، والحذر، والبحث الدائم عن رمح عظمي؟
تقلص للحريات، وعزوف عن الفكر النقي، والمنتج المبتكر، والعجز عن ملاحقة الأمم، ودفن الأنفس في كثبان الشك.. نتمنى أن يتمكن علم النفس والدراسات المجتمعية من معالجته في مجتمعاتنا الغارقة في الفردانية، ليحق لنا يوما أن ننبذ الفردانية ونتسمى بكلمة حضارة.
الفردانية
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
