لمسنا الأيام القليلة الماضية تفاعل الرأي العام مع قضية سقوط عبدالله الزهراني في حفرة الصرف الصحي بجدة، وقبلها عايشنا أصداء حادثة وقوع المواطن علي منشو وابنه في حفرة التحلية، وقبلها حادثة سقوط نورة، وغيرها من الحوادث المشابهة التي تسبب فيها الإهمال وتأخير تنفيذ المشاريع وتداخل أدوار الوزارات وسوء التخطيط بل غيابه في كثير من الحالات.
وهي حوادث نأسف ونحزن ونحرج من تكرار حدوثها دون أي تحرك فاعل ودون أدنى استفادة من تجارب الدول المتقدمة في اعتماد أسس علمية وهندسية توفر الأمن وتتوافق مع معايير الصحة والسلامة العامة للمواطنين.
فليس والد الضحية عبدالله الزهراني وحده الذي يطالب بمحاسبة المقصر، ووضع حد لحوادث السقوط المتكررة في حفر الصرف الصحي فالمجتمع كله يطالب بذلك ويريد حلولا عاجلة لتدارك هذه الظاهرة الخطيرة.
لا نريد أن نتكلف عناء الابتكار، ولكن نسخ تجربة الدول المتقدمة وتطبيقها في علاج هذا الموضوع الذي أصبح ظاهرة وضحاياه أرواح، بات أمرا ملحا ويتطلب سرعة التنفيذ ولا يحتمل أدنى تأخير..!
لماذا لا نطبق تجربة دولة متقدمة كبريطانيا؟ في بريطانيا حسبما رأيناه من مشاهد، لا يتم فتح غطاء حفرة الصرف إلا بآلة معينة يستخدمها عامل الصرف الصحي لكسر إطار الحفرة وإعادة بنائه بالاسمنت مرة أخرى في حال إغلاقها،
وهذا السلوك يتكرر في كل مرة بعد الانتهاء من مهمته ليصبح غطاء حفرة الصرف في مستوى الاسفلت، الأمر الذي يلغي فكرة فتحه من شخص آخر غير عامل الصرف، طبعا سلوك في منتهى الحضارة والرقي والاحترام ليس للإنسان وحده بل لروح الكائن الحي على وجه العموم.
ممارسات علمية، وسلوكيات راقية وإنسانية ومتحضرة في التعامل مع هذا الجانب البيئي، وهذا لا يأتي من فراغ ولكن لقيمة روح الكائن الحي في تلك المجتمعات.
هي حقيقة صادمة فعلا أن نكتشف من أحد البرامج التلفزيونية أثناء حوار أحد المسؤولين أن يتأخر تنفيذ مشروع لمدة 15 عاما!
وأن يصرح مقدم البرنامج بأن ضحية التأخير 16 حالة وفاة وعدد من الإصابات في عام واحد فقط!
مظاهر الفساد موجودة ولكن هناك أولويات للتحرك لدراسة الظواهر التي لا تحتمل التأخير، والمسارعة في علاجها مهما كلف الأمر.
أثناء انشغالي بمتابعة الرأي العام حول قضايا حفر الصرف الصحي، عثرت بالصدفة على رابط قادني لموقع منظمة الشفافية العالمية! فتحته فإذا بي أعثر على مؤشر لقياس الفساد في دول العالم، المؤشر كان عبارة عن قائمة من 170 دولة مرتبة على مؤشر الفساد، حيث تحتل الدولة الأكثر فسادا المركز الأخير والأقل فسادا المركز الأول.
لاحظت تقدم مركز السعودية في القائمة من 80 في 2012 إلى المركز 66 في 2013، استبشرت فقلت ربما هناك خطط مستقبلية لمعالجة قضايا الفساد! ربما أصبح هناك وعي بقيمة الإنسان! ربما انحلت لدينا قضية تكريس الهيمنة في مفهوم الإدارة! ربما اتضحت أهمية توظيف إمكانات المجتمع!
ربما كان هناك موقف إيجابي في تقييم المهارات والقدرات البشرية وإعادة النظر في توظيفها التوظيف الأمثل لتوفير حياة أفضل وبيئة مجتمعية أكثر تطورا، ربما المعايير أصبحت أرقى، ربما أصبح هناك تراجع في ثقافة الواسطة! ربما ارتفع الوعي بأهمية منهجية التفكير! ربما أصبحنا أكثر حذرا وتنبؤا بمخاطر التخلف الاجتماعي الذي يلفنا ويكاد يفتك بنا!
واحتمالات كثيرة طرحتها تبرر تقدم بلدنا على مؤشر قياس الفساد، ولكن فضلت أن يكون تفكيري علميا ولا أتبع تخمينات محتملة لا تستند إلى حقائق، فبحثت عن آلية المسح وكل ما يتعلق بسياسة اعتماد قائمة مؤشر الفساد في العالم، والذي هو بالتأكيد جهة مهمة في محاربة الفساد، ونحن بدون شك نتضامن مع أي جهة تقود الحرب ضد الفساد.
ولكن أثناء البحث وجدت أن بعض الدول لا تقوم بتحديث معلوماتها، ومن يتوقع أن تقدم الدولة على المؤشر بسبب كشف قضايا الفساد وعلاجها فترد المنظمة بأن هذا لا يتم خلال سنة وسنتين لذا تقدم الدولة في المؤشر لاعلاقة له بهذه الفرضيات، إذن ليس هناك ما يؤكد مصداقية المؤشر!
تحمست لمطالعة الكثير من الأخبار التي لها صلة بمنظمة الشفافية ومؤشر قياس الفساد في الدول العربية، فإذا الأخبار كلها تؤكد أن معظم الدول العربية تواصل تقدمها على مؤشر الفساد!
إن صور الفساد كثيرة، وكوني أعثر بالمصادفة على قضايا تقرأ هذه الإشكالية وفي نفس الوقت هو دليل على أن أكثر القضايا المطروحة تتحدث عن هذه الظاهرة المجتمعية المزمنة..!
انتشار الفساد له آثار كثيرة على المجتمع، انحدار مستوى الخدمات وهدر المال العام، انخفاض مستوى الإنتاج، تأخر تنفيذ المشاريع، القرارات العشوائية المرتجلة، تكرار الممارسات العشوائية في التعامل مع الأزمات الطارئة، كلها نتائج حتمية لفسادٍ ما..!
الفساد معطل كبير للتنمية وعائق أكبر للاستقرار الاجتماعي، وسبب كبير لضعف الثقة بأجهزة الرقابة.
فالحل إذن أمام تحديات التنمية والحد من مظاهر الفساد، الإيمان بأهمية التخطيط، والارتقاء بالمعايير، التوظيف الأمثل للإمكانات والموارد
المجتمعية، تكثيف الرقابة على تنفيذ المشاريع، وتبني التفكير العلمي المنظم في علاج الظواهر، وتنفيذ كل ما من شأنه أن يخلق فرص حياة أفضل وبيئة آمنة وصحية لنا وللأجيال القادمة بعدنا. ‏‬‬