مع اقتراب نهاية العام 2014 برزت إلى السطح “ظاهرة عالمية” لم تكن في الحسبان – بنفس القدر من الاهتمام والتركيز – وهي “انفلات حدود الولاء” في القرن الحادي والعشرين! فقد سبق وحذر الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز من أننا عندما نفكر في المستقبل ونرسم تصوراً له ونضع له البرامج والخطط والاستراتيجيات، فإن الذي يتحقق على أرض الواقع “شيء آخر” مختلف يتجسد، ليس من خلال التصورات والبرامج والخطط، بل من خلال “خطوط الانفلات”.
المجتمع البشري - كما يقول دولوز - يتحدد بخطوط انفلاته أكثر مما يتحدد بتناقضاته، فهو ينفلت من كل الجهات، إذ ليست البرامج هي التي تصنع المستقبل.
فواقع أي مجتمع من المجتمعات، ليس منبثقا من تطبيق هذا البرنامج أو عدم تطبيق ذاك، بل هو واقع ناتج عن “المآلات” والتغيرات العديدة والمختلفة، ومن خطوط الانفلات التي تتجاوز البرنامج أو الخطط، فنحن لا نصنع المستقبل بأيدينا بقدر ما نصنع فيه.

الحوكمة والعولمة

قبل سنوات قليلة صدر في واشنطن تقرير مهم، حمل هذا العنوان المثير: 2025 .. الحكم الرشيد في مرحلة حرجة.
وسعى التقرير إلى مجابهة التحديات التي قد تنشأ، بناء على ما نعرفه اليوم من مخاطر تواجه العالم، مثل: نقص الغذاء والمياه بسبب تغير المناخ، وسوء الإدارة والانفجار السكاني وتدهور الزراعة والصراعات العرقية.
وأشار بوضوح إلى أن “تكاثر القضايا الدولية التي تواجه الدول، وتعقيدها البالغ، يكتسحان قدرة المنظمات الدولية والدول القومية على معالجتها.
فمع ظهور العولمة وتناميها باطراد، تفاقمت المخاطر المحدقة بالنظام الدولي إلى درجة أن المخاطر المحلية (سابقا) لم يعد في الإمكان احتواؤها محليا.
وخلص التقرير إلى أن توفر حكم رشيد ناجع على نطاق عالمي أمر بالغ الأهمية، لمعالجة طائفة من التهديدات والمخاطر مثل الصراعات العرقية والأمراض المعدية والإرهاب فضلا عن جيل جديد من التحديات العالمية، من بينها تغير المناخ وأمن الطاقة وشح الغذاء والماء وتدفقات الهجرة الدولية والتكنولوجيات الحديثة، لكن ما عقد احتمالات قيام الحكم العالمي الرشيد على امتداد السنوات المقبلة، كان : التحول إلى عالم متعدد الأقطاب، وأيضا تحول أدوات القوة وآلياتها نحو منظمات وشبكات ناشطة، لا تنتمي إلى الدولة القومية بالمعنى المعروف.
أهم الأفكار التي استند إليها واضعو التقرير هي: أن النفوذ الاقتصادي الواسع للدول النامية، يزيد أيضا من نفوذها السياسي خارج حدودها القومية، ناهيك بأن (اتجاهات السياسة الدولية) تتحول اليوم من الدول المتقدمة إلى الدول النامية وإلى العالم النامي إلى حد ما، كما أنها تتحول أيضا إلى المنظمات والكيانات التي ليست لها صفة الدولة، مثل: الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات، والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، والمؤسسات الدينية وجماعات المصالح الخاصة.

خطوط الانفلات

ما لم ينتبه إليه واضعو التقرير هو أننا بصدد ظواهر عالمية جديدة بفعل “العولمة” تندرج تحت ما بات يعرف بـ”خطوط الانفلات” التي سبق وتحدث عنها جيل دولوز.
وما ينسحب على المجتمع البشري ينطبق على حياة الفرد أيضا، إذ إن حياة الفرد هي انجراف مستمر على خطوط انفلات مختلفة، فالفرد يؤول إلى ما يؤول إليه خارج البرامج والأهداف والمخططات المرسومة.
فالسؤال: ماذا تريد أن تكون في المستقبل، هو سؤال لا معنى له، لأنه في الوقت ذاته الذي نفكر في هذا السؤال أو في الجواب عليه، نكون في حركة مستمرة على متن مآلات لا نعرفها.
ألسنا مهددين في الغالب بأن نجد على خط من خطوط الانفلات ما نريد أن ننفلت منه؟ أليس من المحتمل أن نجد أمامنا من جديد خطر الحروب الأهلية والفتن الطائفية والعرقية والمذهبية والفاشية وعودة أنظمة التسلط القمعية على خط الانفلات نفسه؟

فتش عن الاقتصاد

لقد أدى التحول الحاصل في بنية الاقتصاد العالمي إلى تحول جوهري في دور «الدولة» ومن ثم مفهومها التقليدي، إذ إن انفلات رأس المال ماديا وأيديولوجيا من قاعدته القومية، أفرز مؤسسات اقتصادية وحقوقية فوق قومية تخدم مصالح رأس المال (المالي) الدولي المنفلت من عقاله.
وبدلا من أن يؤدي ذلك إلى انحلال أو اضمحلال «الدولة»، رغم أنها تعيش الآن حالة عامة من التراجع والانحسار، تبرز الدولة وأهميتها من جديد، باعتبارها ضرورة للطبقات المسيطرة (لقمع) أولئك الذين يسوء وضعهم فيتمردون على النظام الدولي الجديد في الداخل أو الخارج.
وقد كان تزايد أهمية الدور القمعي الداخلي والخارجي للدولة الرأسمالية واضحا في ضرب الاحتجاجات المناهضة للعولمة في واشنطن وسياتل وغيرهما.
فإذا لم يعد بالإمكان، سياسيا، وضع حد للضغط الفوضوي الناجم عن الأسواق المتكاملة، فإنه لا بد من مكافحة النتائج بأساليب قمعية، الأمر الذي يعني أن الدولة المتسلطة ستغدو الرد المناسب على عجز «السيادة» عن التحكم في الاقتصاد.
من هنا فإن الدولة ستنفي صفتها «القومية»، لتؤكد صفتها «السلطوية» كدولة، من خلال ممارسة دورها الجديد.
مما يعني أن الدولة القومية في ظل «العولمة» لن تنحل أو تضمحل، ولكنها ستكف عن أن تكون دولة قومية أو وطنية.
وخطورة هذا الاستنتاج يتمثل في «الصدع» أو «الشرخ» الذي أحدثته العولمة في بنية مفهوم الدولة التقليدي، إذ ينبغي أن نفرق من الآن فصاعدا بين الدولة ككيان سياسي حقوقي، وبين الأمة ككيان اجتماعي تاريخي.
ولعل هذا ما يفسر لنا حالات «الاستلاب» القومية لشعوب وأمم بأكملها في صيرورة العولمة، والتي تشاهد بأم عينها «الدول» التي كانت تمثلها تدير ظهرها لها اليوم.
هذا الاستلاب، وهذا الشرخ بين الدولة والأمة، هو الذي يفسر إلى حد كبير صعود نجم الأصوليات والحركات القومية الشعوبية والولاءات الجديدة في العالم.

ولاءات جديدة

يشير النائب السابق للأمين العام للأمم المتحدة وعضو المنتدى الاقتصادي العالمي في مجلس الحوكمة العالمية مارك مالوك براون، إلى أن هذه “الولاءات الجديدة” سببها أن “الدولة القومية” التي تولت كلاسيكيا توفير الأمن والرفاهة الأساسية في مقابل ولاء المواطنين، مهددة ــ سواء في الداخل أو باعتبارها الوحدة الأساسية للعلاقات الدولية.
إن أنماطا جديدة من الولاء والتنظيم تتحدى الآن الدور التقليدي للدولة.
وبعض هذه الأنماط جغرافي.
ففي أوروبا وحدها هناك ما لا يقل عن 40 منطقة شبيهة باسكتلندا، وتسعى إلى الانفصال عن البلدان التي تقع ضمن حدودها الآن.
وتستند ولاءات أخرى إلى هويات أخرى متقاربة ــ وهي ليست دينية أو عرقية فحسب، بل تقوم أيضا على مصالح تجارية وسياسية أو غير ذلك من المصالح.
واليوم، تتمتع منظمات غير حكومية بدعم أعداد من الناس أكثر من أعضاء الأحزاب السياسية.
ويقول براون في دراسته المعنونة “حدود الولاء الجديد”: نادرا ما كانت ولاءاتنا، وخاصة في الغرب، منقسمة على هذا النحو الذي صارت عليه الآن.
وقد زعم أمارتيا سِن، رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، أننا نستطيع أن نتعلم كيف نعيش بهذه الهويات المتعددة بل وبوسعنا أن نحقق الازدهار بفضل تنوع المواطنة والولاءات التي يسمح بها هذا التنوع.
ولكن هذا التنوع ليس حميدا بالكامل.
ذلك أن العديد منا يعملون لصالح ــ أو يملكون ــ منظمات تجارية لا تبالي بالضرائب الوطنية أو السلطات التنظيمية.. إننا نعيش في عالم من فوضى الدولة التطورية – كما يقول براون - وفي حين قد يتوق البعض في الغرب إلى عودة الدولة القوية الموحدة، يدرك أغلبنا أنها لن تعود.
والواقع أن البعض يزعمون أن العالم المبدع الأممي الذي تربطه شبكات من المصالح والقضايا المشتركة من المرجح أن يكون أكثر صمودا ومرونة من ذلك العالم المقحَم عنوة داخل صندوق الدولة الوطنية المصطنع ــ والمقيد على نحو متزايد.
إن العالم حيث تتنافس قوة الدول الصارمة مع القوة الناعمة المتمثلة في الأفكار العابرة للحدود الوطنية والإبداع والتمويل، يحتاج إلى قواعد.
وسوف نتكبد جميعنا ثمنا باهظا ــ في هيئة ميزانيات دفاعية، والأهم من ذلك في هيئة فرص عالمية ضائعة ــ إذا لم نستجمع الشجاعة اللازمة لتصميم نظام عالمي حيث تلعب الكيانات الفاعلة غير التابعة لأي دولة بعينها دورا رسميا.
وإلا فإننا بهذا ندعو الدول إلى ملاحقة نهج يقوم على مبدأ مفاده أن القوة تصنع الحق.