بين ترشيحات تضعه كاسم محتمل لمنصب وزير الثقافة والإعلام الشاغر في وطنه، وبين تأكيدات أن الرجل قرر أن يلقي عصاه السحرية ويخلد إلى الراحة بعد أن أتم أهم إنجازاته الإعلامية في صنع قناة فضائية إخبارية سعودية ووضعها على سدّة القنوات العربية، قررت إدارة قناة العربية قبول استقالة مديرها العام عبدالرحمن الراشد أمس، وتعيينه فورا في مجلس إدارة مجموعة MBC بعد عشر سنوات كاملة وضع فيها اللبنات التأسيسية الأولى للقناة عام 2004.
وكان آخر نشاط له مشاركته في طليعة الوفد الإعلامي المرافق لولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبدالعزيز، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين في قمة قادة دول مجموعة الـ20 خلال اجتماعهم في بريسبن الأسبوع الماضي.
لم تكن هذه الاستقالة -المتوقعة منذ أشهر- هي الأولى للراشد، فقد سبق وتقدم بطلب مماثل ومفاجئ في 14 سبتمبر 2010م، وبعد نحو أقل من سنتين من تلميحه الصريح في بروفايل صحافي لصالح صحيفة النيويورك تايمز نشر في 5 يناير 2008، كشف فيه يومها أنه «يتعرض لضغوط، لكنه لا يحب الحديث عنها» مؤكدا أن ذلك ترك تأثيرا عليه.
الراشد نفسه توقع لمستقبله أمام تلك الضغوط خيارين لا ثالث لهما، حددهما في إجابته على السؤال بقوله «إما أن يتم فصلي، فأنا أدوس على أصابع أقدام كثيرة، أو أن أغادر بنفسي يوما ما..لقد تعبت!».
في المرة السابقة، كتب الراشد استقالته ولم يكن هناك بديل له يقود سفينة القناة إلى مرافئ النجاح ويحافظ على أسبقيتها، على عكس هذه المرة التي تم فيها مباشرة وبمباركته تعيين نائبه الدكتور عادل الطريفي مديرا عاما جديدا للقناة خلفا له.
ويغلب على ظن كثير من المراقبين أن قرار استمرار المدير العام لقناة العربية السابق وعدوله عن استقالته الأولى آتى أكله تماما، وأن القدر كان يخبئ له في عالم الغيب دورا جديدا ونجاحا حاسما بعد أقل من عام فقط.
وعلى كل حال، لم يكن لأحد أن يتخيل كيف سيكون مشهد الربيع العربي من دون وجه وبصمة عبدالرحمن الراشد!.
كان الراشد الشخص المناسب، وفي المكان المناسب أيضا، لقيادة كتيبته الثقيلة عدة وعتادا لمواجهة كل الأحداث الصعبة التي واكبت الربيع العربي.
فلا ينكر أحد أن الحياة الإعلامية قبل أحداث الربيع العربي شيء، وبعدها شيء آخر ومختلفة تماما.
ولم يعرف عنه من قبل أنه من أولئك الذين يطرحون سيوفهم ودروعهم وفي الأفق العربي نقع معركة قادمة، مهدت لها تطورات سياسية غير واضحة المعالم ولم يعرف خيرها من شرها إلا بعد أن أشعل بوعزيزي تونس فتيل الربيع المتفجر.
واصل الرجل الليل بالنهار بلا تعب ولا نصب وهو يبحث عن نقاط الضعف في صفوف خصومه ليوجه لهم ضرباته القاضية.
ومضى طوال 3 سنوات حتى أمس، وهو يخوض واحدة من أشرس المعارك الإعلامية والسياسية في حياته المهنية.
من المؤكد أن عبدالرحمن لن يبتعد كثيرا عن دهاليز مهنته ومعشوقته الأولى: الصحافة.
فالرجل لا يزال في عقده السادس ويتمتع بصحة جيدة، ولا بد من أن يضع بصماته السحرية في جميع قنوات أكبر مجموعة إعلامية عربية، بصفته عضوا في مجلس إدارتها.
حاولت «مكة» الاتصال به في مقر إقامته حاليا في لندن لتعرف منه الحكاية.
كان خط هاتفه النقال مشغولا على الدوام.
يبدو أنه استمرأ تحريك الزوابع حول قرار استقالته الأخيرة والنهائية، وفضل أن يرتفع فوق العاصفة ليقرأ صحيفة المساء في مقهاه المفضل جالسا في مزاج رائق واضعا قدما على الأخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة.
يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة شقية!
الراشد يقدم الاستقالة الأخيرة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
