للعصا أنواع كثيرة، لكل منها رمزيته؛ فالصولجان هو عصا القوة، إذ يرمز إلى السلطة (وقانا الله شرها)، والعصا البيضاء هي عصا الضعف، إذ يستخدمها الضرير (شفى الله الجميع).. وأشهر عصا دينية هي «عصا سيدنا موسى»، التي تحولت إلى ثعبان وشقت البحر.. وهناك عصا دينية أخرى هي «عصا سيدنا سليمان»، وهي تسمى بحسب القرآن الكريم «منسأة»، وأظن أنها حُرفت في المأثور الشعبي المصري إلى (مسوأة)، فيُقال في وصف أحوال العمال «الشقا والضرب بالمسوأة»، والمقصود هنا العصا التي يُضرب بها العامل ليؤدي عمله.. ويبدو أنها نفس العصا التي تحدث عنها المتنبي حين قال: (لا تشترى العبد إلا والعصا معه).. والعصا في الفولكلور المصري لونها أخضر فتقول الأغنية: «سيدى ضربني بعصايته الخضرا»، والسيد هنا يُقصد به الجد، وربما يشير الأخضر إلى البركة والخير.. وفي الغرب يحرقون العصي للتدفئة ويسمونها «حطب»، أما في الشرق فيضربون بعضهم بها للتسلية ويسمونه «تحطيب». ولكل طبقة مجتمعية مجموعة من العصي الخاصة بها ويمكن ترتيبها طبقياً بشكل تصاعدي كالآتي مثلاً: عصا الراعي، عصا البلياردو، عصا الجولف.. وفكرة كسر العصا أو شقها له دلالة سلبية؛ فحين يُقال إن فلان «شق العصا» فالمعنى المقصود هو أنه خالف الجماعة.
أشهر عصا في الأدب العربي هي «عصا الحكيم» الذي وضع لها كتابًا بهذا الاسم احتوى على محاوراته معها، وقالت له فيه ما معناه: «يُخيل إلي أن في بلداننا خبيرًا عبقريًا مهمته الدقيقة هي أن يضع كل شيء فى غير محله!» (ذهب الحكيم وبقى الخبير!). وفي تاريخ السياسة المصرية هناك «عصا البغدادي السحرية»، والمقصود هو الراحل عبداللطيف البغدادي، عضو مجلس قيادة الثورة، الذي كان يشير بعصاه إلى العشوائيات فتبدأ عملية تطويرها.
وقد يرفع الإنسان العصا لأعلى فتكون «نبوتًا» ويصبح هو «فتوة»، أو قد يضعها على الأرض فتكون عكازًا ويصير هو كهلًا.. وحين نمسك العصا من أحد أطرافها فإننا نستفيد بها، أما حين نمسكها من المنتصف فالمستفيد هم الآخرون. وبعض ملحقات العصا قد تحدد هويتنا؛ فإذا ثبتنا بها خنجرًا فنحن محاربون، وإذا وضعنا لها خيطًا فنحن صيادون، وإذا علقنا بها جزرة فنحن سياسيون! والدول أيضًا تعبر عن نفسها بالعصا؛ فتضعها في يد شرطي مرور يحرك بها الجميع ويعبر عن هيبة الدولة، أو تضعها في يد فرد أمن يضرب بها الجميع فيمثل بطش الدولة؛ فهراوة واحدة في يد شرطي غير مسؤول قد تضيع مجهود سنوات من محاولات كسب الثقة، فليس مقبولًا أن تعامل البعض بمبدأ «العصا لا تزال في جيبي»؛ فأسوأ شيء أن يمسك العاصي بالعصا، ويهتف «العصا لمن عصا» فيتسبب في العصيان.