الإبداع لا تحده حدود، ولا يقف ضده معوق مهما كانت المستحيلات.. القدرة الإبداعية في العمل والإنتاج لا تنتظر دربا مفروشا بالورود ولا فضاء زاخرا بالممكنات، ولا زمنا يعج بالإحباطات.. خاصة عندما يكون فضاء التجربة الإنسانية هو الحقل التعليمي لدينا، والمجرد من أكثر المعطيات أهمية، لصياغة تعليم (صحيح) بمخرجات منتجة!!
ولذلك فإن التألق والإبداع يكتسب قيما معرفية وجمالية أكثر ألقا، عندما (يصنعه) الإنسان في بيئة جرداء (تخلو أحيانا من لوحة مدرسية بارزة الكلمات، ومن نافذة تلج منها أشعة الشمس، فتمنح المكان حياة من دفء العقول المتعطشة..)..!
هذا النوع من النشاط الإبداعي نشأ في عقل ووجدان أحد المعلمين (نشرت هذه الصحيفة قصة نجاحه في الأسبوع المنصرم)، فذهب في بحر الدهشة عميقا، وقطع في نهر المعرفة مديدا مديدا.. الأستاذ أحمد الزهراني من ثانوية حمزة بن عبدالمطلب (بجدة) في لحظة مغايرة للسائد ومفعمة بالتحولات، أنشأ ناديا مدرسيا لتعلم اللغة الإنجليزية بعدة إمكانات بسيطة، يملكها الجميع بلا استثناء، من غير تكاليف باهظة، أو الالتحاق بمعاهد تجارية ذات أهداف ربحية سريعة. كل ما في الموضوع جهاز ذكي من أجهزة الجوال المألوفة، ثم الانضمام إلى جوقة من الطلاب والمشاركين، من خلال تقنية (الواتس اب)، التي أصبحت فيما بعد شعبا مجموعاتية داخل المجموعة (القروب الرئيس للنادي).. صحيح أن العمل يبدأ من النادي الحقيقي داخل المدرسة، ولكنه يتسع ويمتد فيما بعد، ليتفاعل مع مكونات تعليمية خارج الفضاء المحلي تماما.. هناك في أرقى المعاهد الإنجليزية والأمريكية لتعليم اللغة الإنجليزية، عبر مقاطع (يوتيوب) تعليمية، يتم تزويد المشاركين بها كل يوم، والتي يضطلع بأدائها معلمون مهرة في تلك المؤسسات التعليمية الخارجية، قادرون بكفاءة على طرح الموضوعات التعليمية نفسها، التي يأخذها الطلاب في مدارس المملكة (بلغتها الرئيسة)، مما يجعل الطالب في قلب المشهد اللغوي تماما، مكتسبا تأثيراته الأعمق والأكثر نفعا وأغزر أثرا!
وبالإضافة إلى ذلك فإن النادي قد جعل من طلابه (من ذوي المهارات والخبرات الإنجليزية العالية) معلمي مستقبل (Future teachers)، يضطلعون بأنفسهم بأهداف منهجية نادي اللغة، والتي حددها بإتقان رائده الأستاذ الزهراني منذ البداية، إذ هم يشرفون على المحادثات التي تقام في أوقات محددة ولفترات معقولة بين أفراد (قروب) النادي على (الواتس اب)، كما يشرفون على إرسال مقاطع اليوتيوب التعليمية لكل الأعضاء المشاركين.
أما الاختبارات التي يعملها رائد جماعة النادي الأستاذ الزهراني بين الحين والآخر لقياس مخرجات التعلم المنتظرة، فقد كانت مخالفة للنسق الاختباراتي التقليدي المعتاد ذي الأهداف الوقتية السريعة والأجواء (الرهيبة) المنفرة.
فنماذج أسئلة الـ (open book queis)، تصل إلى الأعضاء من الطلاب، الذين يمنحون الوقت (المتفق عليه)، لإرسال إجاباتهم عبر الواتس اب، مما يجعلهم بمنأى عن رهبة الاختبارات التقليدية، وأكثر رغبة في اكتساب المعلومة بأكثر الطرق مرونة وحميمية، حتى تظل في ذاكرة المتلقي أبدا، يستطيع الطالب أن يصرفها في كل حين، بدلا من أن تكون نماذج سكونية، تموت في الوعي، بعد آخر حرف (لاتيني) يكتبه الطالب في ورقته البيضاء القديمة!
النادي يحمل شعارا غاية في الشعور بأهمية الزمن الإنساني، الذي لا يجب أن تسرقه التقنيات الهائلة لوسائل التواصل عبر الأجهزة الذكية، التي تضطرم بها الأسواق، كما نشاهده في وقتنا الحاضر، تقليدا عاما لجيل رقمي، يسخر كل تلك الطاقات التكنولوجية لهذيان (طوييييل) في أكثر الموضوعات سذاجة وتعصبا، مما دعا رواد النادي وأعضاءه للاحتفاء بالقيمة العليا (Time is money ..Time is gold) شعارا، وجعلهم جميعا خلية نحل، يتسابق جميع أفرادها على (جمع) شهدها الشهي للعقول المنتظرة على بوابات اللغة والحضارة.
تحية إعجاب وتقدير لذلك المعلم الذي حرص على أداء الأمانة وتبليغ الرسالة التعليمية (بحقها وحقيقتها)، مما عرف عنه من جد وانضباط، وما عرفنا عنه الآن من اشتغال مؤرق عذب على تجريب كل جديد للعلم والمعرفة واستثمار كل الطاقات الممكنة لتعليم جاد ومثمر!...كم نحتاج في ثقافة (العمل والتعليم) لدينا إلى شخصيات متعددة من هذا الأنموذج الأكثر إخلاصا وبهاء وجمالا..؟!
الاحتطاب في الأرض اليباس.. (المعلم الزهراني أنموذجا)
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
