ما إن استيقظت «أسماء بنت فهد باجابر» من النوم حتى بدا لها كل شيء غريباً وغير مفهوم؛ دموع فرح ورجاء تنهمر من عيون أمها وأبيها وأخواتها، كل ما تتذكره أن أزمة التنفس المعتادة التي ولدت بها، دهمتها وهي في طريقها للجامعة، لكنها لم تكن أزمة عادية هذه المرة، كانت مصحوبة بإحساس متصاعد بفقدان الوعي.
طلبت من السائق أن يتوجه إلى أقرب مستشفى «مدينة الملك فهد الطبية» واستطاعت أن تصل لقسم الطوارئ، هذا آخر ما تتذكره.. بعدها بدأ الأطباء يلتفون حولها وأنبوب التنفس داخل فمها، والطبيب يردد: تماسكي يا ابنتي.. ساعدينا أرجوك.
لم تصدق أسماء حين أخبروها بأنها في مستشفى «الحبيب» في الرياض، فهي تتذكر جيداً أنها وصلت إلى مستشفى آخر، لكن صدمتها الثانية أنها كانت في غيبوبة لخمسة أيام، ظن الجميع خلالها أنها اللحظات الأخيرة، للشابة التي ما إن ولدت في (1 يناير 1992) حتى تغير لونها إلى البنفسجي وخرج الدم من عينيها بعدما اختفت عيناها للخلف؛ بسبب نقص الأكسجين وبعض الماء في الرئة.
منذ ولادتها في ذلك التاريخ بدأت رحلة معاناة أهلها بين المستشفيات وغرف العناية المركزة إلى أن بلغت اليوم 22 عاما، بسبب «تليف في الرئة». تقول أسماء: «أخبرتني زميلتي في الابتدائية أن إحدى قريباتها كان يخرج من فمها دمٌ أثناء «الكحة» إلى أن توفيت بالسُل، ومن بعدها وأنا أبكي يومياً في دورة المياه كلما خرج الدم من فمي خوفاً من الموت».
لم تمنعها حالتها الصحية ودوامها الدائم في غرف العناية المركزة من أن تتفوق تعليمياً، لكنها وجدت طاقة أمل في التعليم عن بعد، واستثمار المواهب التي تعلمتها على يديّ جدتها، مثل الطهي والخياطة وصناعة الأساور وتحمل المسؤوليات، وفي المرحلة الجامعية قررت بدء مشروعها الخاص في صناعة «الكيك» برأس مال قدره 500 ريال، وبين صناعة الكيك، والتردد على الجامعة، والتنويم في المستشفى أمضت ما وصفته بأجمل أعوام عمرها، إلى أن جاء اليوم الموعود (13 مارس 2014) الذي دهمتها فيه الأزمة الأخيرة، واكتشفت بعدها أنها في حاجة ماسة إلى زراعة رئة. وإثر هذه الأزمة خرجت من المستشفى بمرافق دائم، «صديقها أنبوب الأكسجين».
كان عليها في البداية أن تتقبل نظرات الناس وهي ترافق أكسجينها، لكنها قررت أنها لن تلقي لهم بالاً، وستواصل حياتها لتحقق أحلامها في التعليم والعمل معاً. وبعد فترة بدأت تُكسي صديقها «الأنبوب» ألواناً مبهجة ليرافقها إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بأبهى حلة، وبدأت تنشر صور صديقها بألوانه المتعددة عبر حسابها في «انستقرام»، وتعايشت مع آلامها ووضعها الجديد بفضل الله ثم أسرتها، إلى أن اختارتها الجامعة لتكون ضمن المشاركين في مركز خدمات التوظيف والأعمال الريادية لنجاحها في تأسيس مشروعها في صناعة «الكيك» رغم كل معاناتها. تقول أسماء بإيمانٍ بالغ: «تغيرت حياتي كثيراً وأنا أرافق أنبوب الأكسجين في كل مكان، حتى أثناء نومي. ولكنني لن أموت قبل موعدي بثانية واحدة، لذلك سأظل متفائلة وسأعمل بجدٍ، وكلي ثقة أن الله يحبني.. فهو إذا أحب عبداً ابتلاه».
أسماء، ليست نموذجا عظيماً للإصرار والتفاؤل فحسب، بل مدرسة نتعلم منها أن نكسر تلك «الشّماعة» اللعينة التي نعلق عليها أعذار تقصيرنا، وأن نظل نصدق ذلك «الأمل» الذي يردد دوماً: أنا هنا.. وفي كل مكان.
صديقة «الأنبوب».. كسرت الشمّاعة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
