إن التيارات الأدبية والثقافية والاجتماعية النقدية في بلادي ابتعدت كثيراً عن خلق وسائل التواصل المنظم مع مختلف التيارات الأخرى، وخاصة مختلف التيارات الدينية.
وقد يختلف البعض معي بالقول إنه ليس لدينا تيارات دينية، فأقول له إن واقعنا المعيشي الحالي والأحداث المجنونة التي تمارس على أرض الوطن تؤكد أن لدينا تيارات دينية مثل: القاعدة، وداعش، وجماعة الإخوان، وما ينجم عن الشيعة وغيرهم.
في مرحلة الثمانينات كانت حركة النقد الأدبية والثقافية ببلادنا قوية ومؤثرة، بل كانت أمينة في فقرات استراتيجيتها مثل المعارك التي كانت تدور بين أهل الحداثة ورجال الدين، وخاصة أنها احترمت وقدرت الكثير من تقاليد وأعراف النقد الأدبي والثقافي والفكري، بل إنها كانت خصبة ولديها قابلية خصبة لقبول الآخر.
وتميزت تلك الحركات النقدية الأدبية والثقافية والفكرية بأنها لم تسع لتضخيم الأحداث والقضايا والمسائل، خوفاً أن تعمل على فتح فتن مجتمعية.
رغم أن بعض التيارات الدينية اتجهت إلى تكفير بعض من اختلف معها، وهنا أثيرت فتنة بسبب تلك التوجهات، وأسوأ ما فعلته تلك الحركات من قبل رجال الدين، أنهم اتجهوا إلى (تقنين التكفير) وجعل إلقاء وقذف التهم الباطلة وسيلة للقضاء على من يختلف معهم، فأصدروا قوائم بأسمائهم.
ويعاب على التيارات الدينية ـ حينذاك ـ أنها لم تكن تملك نظريات نقدية علمية لعدم امتلاك الكثير من عناصرها الكفاءة النقدية العلمية وتطوراتها فيما عدا بعض العناصر والحالات، وأرى أن ذلك يعود إلى حالة تدني فكري وتراجع ثقافي، وعدم امتلاك لأدوات البحث العلمي المحرك لهذه الحركات النقدية.
واستطاعت بعض التيارات الدينية السلفية إدخال بلادنا المنطقة (المظلمة الكالحة) ودخل هذه المنطقة أعداد رهيبة من الشباب، الذين رفضوا عمليات الحداثة والتجديد والتطور والتقدم.
وهذا قاد إلى تأخير الكثير من العمليات التنموية المهمة للوطن وبخاصة التطور الإعلامي والثقافي والفكري، لتمكن التيارات الدينية من السيطرة على مفاصل توجيه الرأي العام.
لأن تلك التيارات الدينية سيطرت على عقول مفاصلها وعناصرها وشبابها، واعتمدت التكلس والتقوقع وسكنوا خنادق لم تستطع تيارات الحداثة الوصول إليهم بسبب حصانتها المنيعة وصلابة قوة حراستها.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.