أحداث المراجعة والكشف الإعلامي عن قصة قرار مجلس جامعة أم القرى، إلغاء توصية لجنة مناقشة الدكتوراه لسعيد السريحي، تتوالى، وكل حدث يتكشف عن مفاجأة ويرفع وتيرة الاعتقاد بما تحمله القصة كاملة من مأساوية وصدمة وإثارة لأسئلة مجتمع بكامله عن الجدارة العلمية والنزاهة وشهية «التفتيش» العقدي، والمزايدة على الدين، والمحاسبة الحزبية، ووجهة المستقبل..!الأحداث تتوالى ولكنها لا تأخذ لونا واحدا، بل يتقابل فيها موقفان، ويتصارعان.
فالتسجيل الصوتي للمناقشة الذي نشرته صحيفة مكة يجسد الصراع بين موقفين: الطالب الذي يدلل بعباراته على قدر عال من التهذيب والاحترام لأساتذته المناقشين له، وقدر عال من التفهم لدقائق منهجه ومحتوى رسالته، وقدرة على الدفاع عن رأيه والإجابة عما يوجه إليه، وتحل بشجاعة الاختلاف التي تضعه في دائرة العلم وموقفه لا في موقف التملق للشهادة.
وفي مقابله هزؤ وسخرية حينا، ودلالة – حينا آخر- على التعصب والانغلاق إلى الدرجة التي ظهر فيها – مثلا - الانتقاد للطالب لاستشهاده بمؤلِّف «غير مسلم» والاتهام بالمعاداة للتراث، وأن التراث ليس في حاجة إلى المناهج الحديثة.
هذا غير الدلالة – في معظم الأحيان - على عدم استيعاب موضوع الرسالة ومنهجها! ثم يأتي حدث «التقرير السري» الذي كتبه أحد المناقشين بعد المناقشة، ونشرته مكة مصورا بخط يده.
وهو مصطرع للتضاد بين صفته السرية وبين موقف كاتبه العلني، سواء في قراره مع زملائه في المناقشة منح الدرجة، أم في نفيه للصحف وللطالب كتابة تقرير سري بعد المناقشة.
وهو – إلى ذلك - مصطرع بين موقف الأستاذ حين يتناقض فيظهر غير ما يبطن، ويصنع ما لا يليق بالأستاذية والعلم والاحترام للذات، وبين موقف الطالب وهو يعلن حزنه وصدمته من كذب أستاذه، ويجهر بأسئلته عمن اضطر هذا الشيخ إلى التناقض.
وحين يظهر المشرف على الرسالة، الدكتور حسن باجودة، فيما يتوالى من اكتشاف الوثائق ونشرها، يظهر في خطابه الموجه إلى وزير التعليم العالي بالنيابة.
وهو خطاب يحمل دلالة الصراع المأساوي نفسها؛ إذ يقف المشرف مع تلميذه مناشدا الوزير بتدارك قرار مجلس الجامعة، ومحذرا من مغبته، ومشيدا بمواهب الطالب وامتياز رسالته، ومؤكدا تخرص الاتهامات العقدية لها، ومحاكمتها على خلفية الصراع مع الطالب خارجها.
والخطاب هكذا ذروة في تصاعد الأحداث، فهو على ما يمثله كاتبه من قيمة علمية وأدبية، وما يدلل عليه مضمونه من موقف الصمود والثقة والمسؤولية، منذور للتجاهل!ليس سعيد السريحي وحده من تربصت به «محكمة التفتيش» فرسائل عديدة أخرى أرغم أصحابها على حذف اسم فلان لأنه «علماني» واسم علان لأنه «يهودي»...إلخ! أو اعتماد هذا المنهج أو الخلوص إلى تلك النتيجة! لكن الفارق لدى السريحي، هو شجاعة الموقف وصموده وصدور منهجيته عن إلمام وتملك وأهلية للدفاع عنها.
وأتصور أن الحقل الأكاديمي يتعلم من سعيد السريحي دروسا لن ينهض البحث العلمي ولن يجدي شيئا من غيرها، دروسا في حرية الفكر والتعبير ومسؤوليتهما، وشجاعة الموقف وعقلانيته، وأننا قد نمنح – بالمقاييس السائدة لدينا - الدكتوراه وما فوقها لكثيرين، ولكن قلَّة قليلة فقط هم من يستحقون صفة الباحث ومن يجدر بهم لقب الأستاذية!
دكتوراه السريحي ثانية!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
