وبالطبع سيسألني أحدكم: (حمزة مين؟)؛ ولكي لا تصاب مقالتي بالعبثية والعطب فلن أكمل اللعبة الطفولية، ولن أرد عليه: (راعي الشنطة)، فيعود السؤال العقيم، والذي يلتوي طوال الأحجية، فلا نعود ندري هل كان سببًا في ذكاء أبنائنا أو في حيرتهم؟!.
وتقول الحكاية: اختلف الأخوان الكبيران بعد وفاة والدهما حمزة حول من يتولى منهما توزيع محتويات (شنطته)، على الأسرة المتحابة المتكاتفة في حينها، فتنازعا، وتفرقت بهما السبل، وبأبنائهما من بعدهما، ولم يتمكن الزمن من ردم الصدع بين الجانبين، فكان يزداد اتساعًا مع ترديد الأهزوجة، واختلاف الرؤى، حتى إن أحفاد الأحفاد وجدوا أنفسهم في عين اللهب، فلم يكن منهم إلا أن زادوا من إيقاد النيران بين الطرفين بدرجة أوصلت القضية إلى المعارك الجدلية، والتراجم، وشهود الزور، وتحريف الحقائق.
وتمر السنون والأسرة منقسمة إلى فريقين متناحرين يسعى كل منهما للإساءة والإطاحة بالطرف الثاني مستخدمًا ما تحمله ذاكرته الغائمة المتلبدة من روايات ومرئيات وصور تثبت عدم أحقية الآخر بمحتويات (الشنطة)، وأصالة الخلاف بينهما وحتميته، وأبديته.
ولكم أن تتخيلوا كيف ساء الخطاب، وزاد الفحش والتردي، واختلقت القصص، وكيف أن مجرد الصلح أو التواصل أو التوافق بينهما صار يعد ضربًا من ضروب المستحيل.
أسر كثيرة دخلت بينهما، كان بعضها يسعى للصلح، والبعض يريد أن يرتاح من شجارهما، والبعض يختلق ويكيد ويَشِي متمنيًا ازدياد الفجوة بينهما وتهالكهما، ليصعد هو على كومة الرماد، ويضحك منتصرًا.
حقيقة، لقد وصل بهما التردي إلى أسفل سافلين، وتكسرت نبالهم المتفرقة فرادًا.
فمجرد مرور ذكر إحدى الأسرتين يجلب الغضب، والتحقير، واللعن، والفحش والسباب على ألسنة الأسرة الثانية.
بل إن بعض المثقفين في الطرفين أفنوا أعمارهم في سخافة البحث عن خبايا الماضي، والربط، واختلاق القصص، وقدح العقول في التربص، والتجني، والقذف، وبذل المال والدم لإثبات وتضخيم ما يسيء للطرف الآخر.
حال من العجب والغباء، ومنعرج شتت شمل أسرتين كانتا قلبًا وجسدًا واحدًا قبل الشنطة.
تقول أهزوجتنا إن المبادرات الخاصة والعامة تكررت، ولكن الوضع يبقى دومًا على ما هو عليه، ومهما حدث، فلا يبادر فريق منهما بالنظر بعقلانية في مصداقية حقوقه من محتويات الشنطة، ودون إجحاف.
وأزعم أن ذلك لن يحدث إلا متى ما عصفت العقول، وتجمعت القلوب، ونظرت للقادم، وعرفت كيف تصيغ حياتها باحترام مبدأ لا ضرر ولا ضرار، وبتقريب الطرفين بداية بما يتفقان عليه.
وهذا سينقلنا لسؤالنا الغبي المرير: حمزة مين؟.
فنزيد حيرة، ونعرف أن اللجج لن يتركنا حينما يكرر الفحش نفس جوابه: (راعي الشنطة!).
فهل الأهزوجة غبية، أم إن من يرددونها هم الأغبياء.
الأهازيج الحلزونية يجب أن تتوقف، بوقفة العقلاء في وجه كل من يلهو بها ويمططها لغرض سيئ، ولا بد من جدية منطقية لوضع النقاط على حروف الكلمات الغائبة!.