وجود قضاء مستقل ونزيه وفعال أحد الدعائم الأساسية للاستقرار والنمو، ولذلك تبنت الحكومة مشروع الملك عبدالله لتطوير القضاء الذي يعول عليه كثيراً في تطوير مرفق القضاء وإحداث نقلة نوعية فيه، إلى جانب تسريع إجراءات التقاضي، ولا أحد ينكر التطور الذي يمر به مرفق القضاء في الوقت الحالي.
ورغم التقدم الذي حدث مؤخراً في مرحلة التحديث والتطوير، لا يزال أمام مرفق القضاء مشوار طويل وشائك للوصول إلى الغاية المُثلى منه، فيما يتعلق في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية، فمشروع تطوير القضاء لا يزال يعاني من خلل في ترتيب الأولويات، تتمثل في تنفيذ أجندة على حساب أخرى أكثر أهمية وحساسية تفرضها المرحلة الحالية وإرهاصاتها، والتحديات التي تواجه مشروع تطوير القضاء نتاج لمرحلة عدم وضوح الرؤية، والتركيز على إعادة الهيكلة للجهاز القضائي فقط، دون الالتفات إلى احتياجات مراجعي هذا المرفق الأساسي والحيوي، لكن هذه التحديات ليست بالصعبة والمستحيلة، بل يمكن تجاوزها بشيء من الإرادة والحكمة، لا سيما أن الظروف الحالية مواتية لتجاوزها، وتحويلها إلى شيء من الماضي. ويمكن تلخيص أبرز التحديات أو المشاكل ذات العلاقة بالعنصر النسائي المراجع لكتابات العدل أو المحاكم الشرعية في النقاط التالية:
أولا: عدم تفعيل العمل ببطاقة الهوية الوطنية للمراجعات للمحاكم وكتابات العدل، رغم أهميتها في التأكد من شخصية المراجعة، ومطابقة شخصيتها مع الصورة المستخدمة في الهوية الوطنية، مما قد يفتح باب التزوير في الوكالات الشرعية خصوصاً في قضايا الإرث والتجارة بشكل عام، فكثير من قضايا التزوير وانتحال الشخصية التي تتداول في أروقة المحاكم يعود إلى إحضار نساء ينتحلن شخصية صاحبة الإرث أو التجارة للحصول على توكيل شرعي معيب وصوري لسلب حقوق الزوجة أو الأخت من الإرث، أو توكيل لبيع أراض وعقارات دون علم المالك الشرعي لها.
ثانياً: عدم توظيف المرأة في الوظائف المساندة للقضاة في المحاكم وكتابات العدل، للتأكد من شخصية المراجعة لكتابة العدل أو المحكمة، ومطابقتها مع الصورة المستخدمة في الهوية الوطنية، قبل الدخول إلى كاتب العدل أو القاضي لمنع انتحال الشخص، والحيلولة دون تزوير الوكالات، وضياع حقوق النساء، على الرغم من صدور أوامر للجهات الحكومية بتوظيف النساء، ووزارة العدل أكثر الجهات الحكومية ملاءمة لتوظيفهن، كونها إضافة إلى ما سبق تتعامل مع قضايا نسائية ذات خصوصية عالية جداً، لا تستطيع كثير من النساء التحدث عنها إلا مع امرأه مثلها، مما يسهم في تدوينها من قبل موظفة المحكمة، وعرضها كتابياً أمام القاضي مما يرفع الحرج عن المراجعة أو المدعية خصوصاً في القضايا الأسرية. 
ثالثاً: تمنّع الوزارة في توظيف النساء في محاكم الأحوال الشخصية، التي بدأت الوزارة في إنشاء النواة الأولى لها الدوائر الأسرية، فعلى الرغم من أن عمل هذه المحاكم يتطلب وجود اختصاصي اجتماعي، وآخر نفسي، أحدهما امرأة للاستئناس بآراء هؤلاء المتخصصين في قضايا الحضانة وغيرها، بما لا يتفق مع تصريحات الوزارة في أكثر من مناسبة بأنها تحضر لتوظيف النساء من خلال إعداد الأقسام الخاصة بالنساء في مبانيها، وكذلك محاكم الأحوال الشخصية، إضافة إلى توظيف مختصات في الخدمة الاجتماعية والنفسية في محاكم الأحوال الشخصية، علاوة على توفير متخصصات شرعيات في المحاكم العامة والجزائية لاستقبال النساء وقيد قضاياهن لديها.
وعمل المرأة في كتابات العدل والمحاكم الشرعية المتخصصة في الوظائف الإدارية والمساندة للقضاة لا يتناقض ولا يتنافى مع الضوابط الشرعية، بل أصبح في وقتنا الحالي لازماً، وضرورة ملحة تفرضها حاجة المرأة المراجعة لهذه الجهات لمن يتفهم وضعها، ويمهد الطريق لها لإيصال شكواها وقضيتها ويحفظ كرامتها وحياءها، ويرفع الحرج عنها خصوصاً في القضايا ذات الخصوصية النسائية التي قد يمنع الحياء المرأة من التحدث بها مع القاضي.
وأعتقد يقيناً أن مشروع تطوير مرفق القضاء إن لم يراع ظروف المرأة، وحاجتها لمن يتفهم وضعها من بنات جنسها، ويعمد إلى توظيف المرأة في الوظائف الإدارية والمساندة للقضاة، إلى جانب تقديم العون القضائي للنساء اللاتي يعجزن عن دفع تكاليف وأتعاب القضايا الشائكة التي تنظر أمام المحاكم سيعاني من خلل هيكلي سيفقده فعاليته، ويجعله يتفرغ لمعالجة قضايا إضافية تنشأ من رحم قضايا أخرى نتيجة إغفال احتياجات فئة رئيسة من المراجعين.