قدّر لي أن أزور معرض الشارقة للكتاب مراراً للتزود من المعرفة والثقافة، وحقاً كان معرضاً مدهشاً بحسن الترتيب والتنظيم والهدوء، الذي افتقده خلال معرض الرياض للأسف..
وكنت في خلال جولاتي أستمتع بالسمر مع طلبة العلم وأتجول في حلق العلم ومجالس العلماء هناك، أو أزور مكتبات العلماء الخاصة الهائلة التي شرعت أبوابها للزائرين ليلاً ونهاراً وقدمت لهم أنواع التسهيلات من أجهزة التصوير وأجهزة الحاسوب فضلاً عن الشاي والقهوة والموظفين رغم رحيل عدد من هؤلاء العلماء عن الحياة الدنيا ولكن بقي ورثتهم يفتحونها ويذللون للباحثين أنواع الصعوبات..
هذه المكتبات يوجد عندنا في السعودية أمثلة لها ولكنها قليلة جداً فكثير من الورثة يختارون بيع كتب والدهم أو التبرع بها لمكتبة عامة أما في الإمارات فالمكتبات الشخصية بنى لها صاحبها أو الورثة مباني كبيرة عبارة عن فلل صممت على شكل قاعات مفتوحة للقراءة مثل مكتبة المحمود في الشارقة ومكتبة الشيبة في عجمان ومكتبة سالم بن عبدالله آل حميد في عجمان أيضاً وهذه المكتبات الأهلية تضم الواحدة منها عشرات الألوف من المجلدات والعناوين الشرعية غالباً لأن ملاكها وأصحابها كانوا علماء شرعيين فجمعوا في حياتهم أندر الطبعات والكتب من شتى البلدان وتتميز هذه المكتبات الثلاث بأن ملاكها وكتبهم يتبعون المنهج السلفي وتحظى هذه المكتبات بدعم معنوي فغالباً ما يفتتحها حاكم الإمارة تعبيراً عن تكريم العلم وأهله مما يعطي المكتبة بعداً آخر من التوقير والتقدير لدى العامة أو المتبرعين لها.
وأما المركز الضخم الهائل للوجيه جمعة الماجد للعناية بالتراث الإسلامي في دبي فهو مكتبة عالمية ومركز يفاخر به العرب، فقد قارب عدد موظفيه المئة موظف ويضم مئات الألوف من العناوين النادرة والحديثة والمكتبات الخاصة للعلماء الذين اشترى مكتباتهم من ورثتهم، وأما المخطوطات فقد أصبح مركز جمعة الماجد محط أنظار الجامعات العربية العريقة لما يحتويه من أندر مخطوطات العرب المبعثرة في العالم والتي جمعت تحت سقف واحد برعاية فائقة وخدمات راقية.
ربما يعجب القارئ من هذا الكلام إذ يسود حديث الإعلام والمجتمع عن الأبراج الشاهقة والأسواق الفاخرة في عصر أصبحت العلوم الشرعية فيه قليلة وتحول العالم إلى سباق محموم لجمع المال والمفاخرة في المباني والقصور، ولا عجب في ذلك فالزهد في العلماء قديم ولم يزل العلماء الكبار بعيدين عن فلاشات الإعلام التي يفرح بها غيرهم.
وإذا تحدثنا عن العلماء هناك فإني أذكر للقارئ الكريم بعضهم ممن كان لهم أثر واضح في حياة الناس هناك وجميعهم قد قدم إلى ربه رحمهم الله تعالى، وقد تعدى كثير منهم حدود المكان الجغرافي بعلمه وفضله، فمنهم عالم دبي الشيخ محمد نور سيف المهيري وقد استقر في مكة وكانت له دروس شهيرة في جنبات المسجد الحرام بمكة المكرمة، ومنهم الشيخ الشهير العالم والداعية عبدالله المحمود، ومنهم العلامة السلفي الشهير أحمد بن حجر آل بوطامي وهو من أشهر علماء وقضاة رأس الخيمة وقد رحل بعد أن بلغ الأربعين إلى الرياض ثم استقر مقامه في قطر وطبعت مؤلفاته في اثني عشر مجلداً فاخراً، ومنهم العالم والشاعر مبارك بن سيف الناخي وله مقالات جليلة قبل 90 سنة في أرقى المجلات العربية الشهيرة آنذاك، ومنهم العالم الحنبلي الكبير محمد بن سعيد غباش من الشارقة درس في الأزهر قبل 100 سنة وله مؤلفات في التاريخ والفقه والأنساب وتوفي قديماً، ومنهم الشيخ العلامة المحدث المسند سيف بن محمد المدفع من علماء الشارقة وكان الملك عبدالعزيز يسميه سيفنا ومدفعنا، ومنهم المؤرخ الجليل والأديب الرفيع عبدالله بن صالح المطوع صاحب المؤلفات التاريخية البديعة، وهناك غيرهم كثير قديماً وحديثاً، ومن الطرائف العلمية أن يكون أول شرح مطبوع لكتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب كان شرح الشيخ العلامة حامد بن محمد حسن من علماء الشارقة وقد طبعه تجار تلك النواحي عام 1317للهجرة قبل 115عاماً !!.
تلك مجرد ومضة قلم لا غير..

