كنت ألوم المتقاعدين من كثرة التشكي من إجراءات التقاعد، وكنت أحسبهم يبالغون في تصوير الحال؛ حتى اكتويت بنارهم فوجدت أن ما كان يقال ليس إلاّ نزر يسير من المأساة الإدارية الكبيرة التي تبدأ من مجرد التفكير بالتقاعد.
وفي التعليم؛ التقاعد حكايته حكاية تبدأ من البحث عن الموعد المحدد للتقديم والذي لو فات فات، حيث تحدد الوزارة تواريخ ثابته للتقديم على التقاعد والتقاعد المبكر والإعارة والاستقالة، فالمسألة ليست على حسب ظروف المعلم؛ بل ترجع للوزارة ومراعاة مصلحتها أولاً، حيث تبدأ خطوة إقناع مدير المدرسة الذي بدوره يرفع لمكتب التربية وهنا تبدأ المفاوضات لتأجيل التقاعد حتى نهاية العام الدراسي بدلاً من التقاعد في منتصف الفصل الذي قد يربك العملية التعليمية.
وبعد أيام من المراجعة والمداهنة قد يعلنون موافقتهم أو يؤجلونها، وعند موافقتهم تبدأ مرحلة صعبة من مراحل المراجعة في (شؤون المعلمين) بإدارة التعليم وحتى تنتقل المعاملة (لشؤون الموظفين) وتأخذ عملية الإعلان النهائي قرابة الشهرين، يبقى المعلم حينا في حيرة من أمره، وبعد إعلان الأسماء تتفرج الأسارير ويتبقى القرار النهائي من مدير التعليم وهو مجرد روتين يحتاج لمدة شهر آخر.
بعد ذلك تبدأ الإجراءات «اللي فيها المشاوير الثقيلة» من إحضار مخالصة من البنك العقاري، وتثبيت الآيبان من البنك «اللي فيه الراتب» ثم العودة لإدارة التعليم واستلام المعاملة (يدوياً) والذهاب بها لـ(وزارة الخدمة المدنية)، وبعدها يتم أخذها لـ(مصلحة معاشات التقاعد)، وهي الخطوة الأخيرة، طبعاً بالإمكان أن تأخذ المعاملة طريقها الرسمي بالمراسلة؛ ولكنها ستأخذ أكثر من ثلاثة أشهر في حين أن استلامها يدوياً والمراجعة الشخصية بها لا يستغرق إلاّ أسبوع فقط.
لا يصل المتقاعد للمرحلة الأخيرة إلاّ وهو منهك ومجهد من المشاوير والبحث عن مواقف والزحمات والانتظار، وفي بعض الأحيان يجد الموظف المختص قد استأذن أو في إجازة! ومن أقسى المواقف التي قد تمر بالمتقاعد هو تباين معلوماته الوظيفية بين وزارة التربية وإدارة التعليم ووزارة الخدمة المدنية؛ ويحدث ذلك بسبب إدخال خاطئ للبيانات من موظفي الملفات وعندها يطالبونك بقرار التعيين أو قرار التحسين أو قرار الترقية فإن لم تكن لديك صور منها فتلك مصيبة ومشوار آخر للبحث عن تلك القرارات القديمة في أرشيف وزارة التعليم.
وبعد انتهاء الماراثون يتنفس المعلم المتقاعد الصعداء ويشكر الله ويحمده على أن تمت إجراءاته وهو ما زال بصحته وعافيته بعد استهلاك لجهده ووقته فاق سنين عمله..فهل هذا هو عقاب لمن أراد التقاعد؟!