لو أنها بكت لكان أهون علي، ولكنها لم تبك، لم تذرف الدموع، بل تجاسرت وتماسكت وتحاملت على نفسها لترسم ابتسامة رضى وهي تقول (كل أمر المؤمن خير) لم أجد من الكلمات ما يليق بالموقف فسكت لتستطرد هي قائلة (أنا بس زعلانه على بابا اللي كان حاطط كل أملو في إننا ندخل الجامعة في ألمانيا وأتدين وانضغط عشان يدبر الأوراق للسفارة، ما كنت متخيلة يجي رفض)، قلت لها (غريبة فعلا، مع تفوقكم ومعدلاتكم العالية وقبول الجامعة هناك كان متوقع يوافقوا على الفيزا)، ابتسمت بحزن وقالت بنضج يسبق سنواتها العشرين بكثير (أكيد عشان محنا سعوديين وبابا على كفالة أخوه السعودي)، رفعت رأسها وقد بدأ صوتها يختنق بالدموع (كان نفسي أنا وأختي ندرس ونتميز عشان نرجع ونعوض بابا وماما الحياة الصعبة اللي يعيشها الشخص بدون الجنسية السعودية).
عدت لأربت على كتفها وداخلي يستعر بالتساؤلات، ما بالك يا بلادي تفعلين هذا بمن ولد فيكِ ولم يعرف وطنا سواكِ؟ ما بالك تقسين عليهم وتشعرينهم بأنهم أغراب رغم العمر والسنين والعرق والعمل في جنباتك؟ ما بالك لا تتأسين بدول العالم الأول التي تمنح الجنسية فقط بمجرد الولادة، فأصبح الموالون لها منتشرين في كل أصقاع الأرض، وأصبح من يعيش فيها يعمل لها ولرفعتها والذود عنها بكل إخلاص وحب، فتصدروا العالم و تسيدوه باستثمارهم في الإنسان من كل مكان.
لو أننا فقط نضع أنفسنا مكان الآخرين قليلا! لو أننا نقرأ التاريخ ونعتبر من تقلب الدول والأحوال؟ لو أننا نتناسى قليلا السياسة والحدود ونركز كما أمرنا ديننا على الإنسان، أكنا لنستشعر هذا الغضب الكامن في كل مكان؟ أكان حالنا حضاريا ليكون على ما هو عليه الآن؟ فيا بلادي رفقا بمن على أرضك ترعرع ونما، رفقاً بمن استجار بك واحتمى، رفقاً بمن لو أنك أعطيتيه الفرصة، فباسمك سيعلو وبمجدك سيسمو.