إن تلقين المتلقي النتيجة كيلا يصل بعقله إلى غير ما تريد - خصوصا في القضايا الفكرية- هو أمر سهل الانكشاف، كما أنه مدعاة للخجل، ولكن ذلك لا يهم في حالة التجييش
ما الذي دعا داود الشريان ليتصدى للحديث في قضايا الجهاد والتحريض؟ أين الأدوات الضرورية من دليل شرعي في الأحكام الشرعية ودليل قانوني في الاتهامات الجنائية ودليل عقلي في الأخذ والرد؟ كلها أدوات غيبت في مناقشة قضية كبرى أرهقت كاهل الأمة منذ فجرها الباكر، واستعيض عنها بأمور أكثر فاعلية في الإقناع
لقد تعجبت كثيرا حين استدل الشريان بفتوى الشيخ صالح الفوزان في القضية السورية وضرب بها قول دعاة تويتر على حد تعبيره، فيما يتعلق بالبعد عن مواطن الفتن، فالاستدلال بالشيخ الفوزان - حين يكون استغلالا لاسمه لا تقليدا شرعيا له- من أخطر الأمور بالنسبة لإعلامي، حيث للشيخ آراء باتت في هذا الزمن نادرة ولا تصب في رؤية الشريان من تحريم التصوير بنوعيه الفوتوغرافي والفيديو، فضلا عن رأيه في الدشوش، بينما دعاة تويتر أقرب بكثير إلى التفاهم والتصالح في ذلك، لكنه مجرد استغلال لاسم الشيخ الفوزان في تسويق رأيه
ثم ما علاقة مشروعية الخروج للجهاد بعاطفة الأمهات؟ لنفترض أن أما قتل ولدها أثناء عمله في مكافحة المخدرات أو الدفاع المدني، فدفعتها العاطفة للمطالبة - باكية- بإغلاق أجهزة مكافحة المخدرات والدفاع المدني لخطورة العمل فيهما ولأنهما يؤديان لقتل أبنائنا فهل هذا كلام يُنظر له أصلا؟ لسنا نشبه الخروج إلى ما يسمى جهادا بالعمل في وظيفة إنقاذ داخل البلاد، ولكن المقصود تخطئة هذا المعيار العاطفي السطحي، فحزن الأم من شيء لا يعني أنه خطأً
مغالطة أخرى تستعمل دائما لتصفية الحسابات مع بعض الدعاة - لأسباب ربما كانت سياسية أو شخصية- وهي غمزهم بدعوتهم للجهاد بينما هم وأبناؤهم لا يخرجون، والرد على هذا سهل باستعمال نفس المثال السابق: هل تقول لرجل يمتدح مكافحة المخدرات أو الدفاع المدني ويحث الشباب على العمل فيهما: لماذا لم تنخرط فيهما إن كنت من الصادقين؟ أو نقول له إما أن تبدأ بأبنائك فتجبرهم على هذه الأعمال أو لن نصدقك؟ فكون الشخص لم يعمل بما دعا الناس إليه ليس دليلا على كذبه أو بطلان قضيته
في النهاية يلقننا الشريان درسا مفاده: أن استنكار هذه المغالطات والتشويشات وتقديم تفسيرات علمية ومنطقية لا قيمة له عند العوام في مواجهة طرح عاطفي بلهجة موغلة في العامية، ولذا فإن مثل هذا الطرح هو المسؤول عن انتشار قنوات مثل وصال التي يستنكرها الشريان، فكلاهما يلعب على وتر العاطفة وتأثيره يفوق تأثير مئات المجلدات والساعات المراعية للموضوعية، فهذه خاصة بالمثقفين، أما أمام العوام فيجب حسم القضايا الفكرية بأسرع الطرق وأكثرها تشويشا: دموع والدين ورأي ملتحين، ثم سخرية شريانية، وانتهت القضية!

[email protected]