لم تمض أسابيع قليلة على حادثة تفجير مستشفى العرضي في اليمن والذي تبنته جماعة القاعدة
نتخيل أحياناً أن هناك فئة “أخرى” من البشر قلوبهم سوداء مليئة بالحقد والبطش وينتظرون أقرب الفرص ليقتنصوا ضحاياهم الأبرياء لتحقيق أهدافهم السياسية
ذكرتني حادثة مستشفى العرضي بفضائح التعذيب التي تصدر من السجون حيث يوصف الجنود الذين يقومون على التعذيب بأنهم كذلك عديمو الإنسانية
إذ كيف يجرؤون على تعذيب الضحايا وكيف يتحملون كل تلك الصور والمناظر البشعة لما اقترفته أيديهم؟ ولن أستمر في سرد الأمثلة فكلنا نستحضر العديد منها
قد يتطرف البعض ويعتقد أن هؤلاء ليسوا بشراً فالإنسان لا يمكن أن يكون بهذه القسوة
ولكن هل هم فعلاً على حق؟ ليس تماماً
ستانلي ميلغرام -عالم النفس الأمريكي- أعاد تعريف الكثير من المفاهيم حول الامتثال للسلطة في تجربة مشهورة باسم “تجربة ميلغرام”
حيث طلب من متطوعين أن يمتثلوا دور الضحية وكان على الفرد في العينة (التي تصل إلى ألف شخص) أن يوجه صعقة كهربائية للضحية حينما يجيب إجابة خاطئة
كانت الخطة أن يتعمد الضحية الإجابة بشكل خاطئ حتى يختبر المدى الذي سيصل إليه أفراد العينة في زيادة مستوى الصعقة
بالطبع لم يتأثر الذين كانوا في دور الضحية سلباً حيث إنهم كانوا يمثلون ولم تكن الصعقة حقيقية
ولكن اللافت للانتباه هو أن 62% من أفراد العينة وصلوا إلى أعلى مستوى للصعق رغم الصياح ونداءات الاستغاثة التي كان يؤديها الضحية
بعبارة أخرى، ثلثا العينة لم يجدوا غضاضة من إلحاق الأذى بالآخرين وتعذيبهم واضطهادهم بسبب صدور هذه الأوامر
أليس هذا مفجعاً ؟في ورقته التي يلخص فيها هذه التجربة -والتي كُررت مرات عديدة وتحت ظروف مختلفة- ويستعرض فيها البيانات عرض فيها الكثير من المفاجآت
لعل المفاجأة الأولى هي شرح كيف أنه بوسع أشخاص عاديين -وربما يوصفون بأحسن الأوصاف في حياتهم المهنية والعامة- متقبلين لأن يمتثلوا للأوامر على حساب الآخرين وبدون مقاومة فعلية
بالطبع أغلب أفراد العينة كانوا منزعجين من الأوامر المتكررة بزيادة الجرعة إلا أنهم في النهاية يمتثلون ويخضعون لأمر المشرف على التجربة حينما يقول له “استمر، فالتجربة تتطلب هذا”
لم يستطيعوا ترجمة هذه المقاومة إلى رفض الامتثال وإعلان انسحابهم من المساهمة في التجربة مع أن بوسعهم فعل ذلك في أي لحظة
فهل هم أشرار حقاً؟لم يكونوا أشراراً
فكل فرد فيهم تنازعته التناقضات بين طاعة أوامر المشرف على التجربة وبين التعاطف مع الضحية “أو المتطوع”
وليس هذا فحسب، بل إن الحد الأعلى للصعق يقل كلما قلّت المسافة بين أفراد العينة والضحية
حيث كان هناك أربع تصنيفات اختبرت كلها على حدة تتراوح من لقاء مباشر داخل غرفة واحدة -وهي التي يقل فيها الحد الأعلى للصعق لأن التعاطف مع الضحية أكبر- إلى إخفاء تام للضحية حيث لا يسمع أفراد العينة إلا طرقات الباب والصراخ -وهي الحالة التي سجل فيها الحد الأعلى للصعق أعلى المستويات-
وإضافة إلى ذلك يقلّ الامتثال بشكل كبير حينما يكون المشرف على التجربة خارج الغرفة (ويُلقي أوامره لأفراد العينة إما بالهاتف أو عبر شريط مسجل) لدرجة أن بعضهم كان يوجه للضحية أخف الصعقات رغم زعمه أنه يرفعها
فهؤلاء إذن لم يكونوا أشراراً، حيث إنهم يتحرون السبل للعطف بالضحية
إذن فهل هم عديمو الإنسانية؟ في حقيقة الأمر كلنا يمكن أن نكون مكان أحد هؤلاء عديمي الإنسانية
تصرفاتنا -حسب ما تتوجه إليه دراسات علم النفس الاجتماعي- لا تنطلق من سماتنا الشخصية فحسب بل إنها تخضع وبشكل كبير للموقف
دراسة ميلغرام ليست الوحيدة بل تبعتها دراسات كثيرة قد نتعرض لها مستقبلاً مثل “تجربة سجن ستانفورد” وغيرها
وكلها تصل إلى ذات النتيجة وهي أن سماتنا الشخصية وتوقعاتنا وأفكارنا كلها تتضاءل أمام الظروف التي نجد أنفسنا فيها فنتصرف حسب ما تمليه الظروف
فحين نرمي بإنسان في تيار مائي قوي لا يمكن أن نقول بأنه سباح سريع، وكذا الأمر في حياتنا العامة حيث المواقف تشكّل تصرفاتنا بشكل يفوق كل التوقعات
لا يوجد من هو عديم الإنسانية بكل بساطة لأن الدوافع التي تدفعنا للامتثال للسلطة -بأنواعها- تنبع من ذات المكان الذي تنبع منه دوافع العطف والرحمة
ربما إن كان في الورقة درس واضح فهو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأنظمة ولا يبدأ من الأفراد
فالإنسان في نهاية الأمر كائن معقد من الدوافع والغرائز، فيما الأنظمة -بالمقابل- تشكل الظروف التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل معها
كما تلمح الورقة إلى صعوبة تحديد المدى الذي يمكن أن نلوم فيه الأفراد على جرائمهم التي تنبع من طاعة الأوامر
يختم ستانلي ميلغرام ورقته قائلاً:“النتائج كما شاهدتها وتابعتها في المختبر تبدو لي مقلقة
إنها ترجح أن الطبيعة البشرية ]…[ غير جديرة بالركون إليها لتبعد (الإنسان) عن الوحشية والمعاملة اللاإنسانية تحت توجيه السلطات الفاسدة
نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون به دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار وبدون حدود يفرضها الضمير طالما كانت الأوامر صادرة من سلطة شرعية
إذا تمكن مشرف مجهول في هذه الدراسة من توجيه الأوامر لمجموعة من البالغين لإخضاع رجل في الخمسين من عمره وإجباره على تلقي صعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجاته، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما تستطيع الحكومات -بما لها من سلطات وهيبة أكبر بكثير- أن تأمر به أولئك المذعنين لها…”ولعلنا بهذا العرض السريع نفهم كيف يقوى قلب إنسان على تفجير مستشفى مليء بالأبرياء وبنفس الطريقة نفهم كيف تصنع الحكومات الفاسدة قطعاناً من المجرمين
كلنا أشرار ولكن لم نعرف ذلك بعد
فهد الحازمي5 دقائق للقراءة

حجم الخط
