..أما وقد دأبت (مكة) على تتبع قصة (دكتوراه السريحي)، وكشفت السر المخفية حقيقته وحيثياته، وبعض أطرافه، والمعلومة نتائجه، منذ ثمان وعشرين عاما، و(أعادتها جذعة)... فمن نشر ما دار في جلسة المناقشة. إلى فرصة ذهبية لبطل القصة؛ لممارسة الأستذة الفجة، والعزف النشاز، الذي لم نعد نأنس لإيقاعاته الركيكة، عن: الثوابت والمبادئ و...، حق أريد به باطل، فهذه المتواليات التي يلوكها العاجزون؛ كلما أحسوا برخاوة مواقفهم، وتهافت حججهم. إلى ممارسة (أُبوة) لا معنى لها، وخانه توقيت اللعب بها، حيث تجاوز (الولد) الستين، مما يعني تخطيه ميعة حنان متأخر جدا، يحاول (الوالد الأستاذ) استدراجه به. مبادلا بينه وبين اكتشافه مراد السريحي، من التفاعل مع قضيته، (بحثا عن الشهرة والأضواء)، مصرا (الأستاذ) على استغفالنا مرة عاشرة، وممارسة الإسقاط على تلميذه النجيب وابنه العاق. وعلى المشهد الثقافي بأكمله، الذي بات من الحنكة والخبرة؛ ما يجعله واعيا بمرامي وأهداف الطرفين، ولكن الله أراد أن يضل (الأستاذ) على علم.
فتوالت كشوفات (مكة)؛ مفسحة مجالا حرا لـ(لأستاذ)، للتنصل من المسؤولية عن سلب حق مستحق لباحث تجاوز مبكرا أفق أساتذته، وبزهم وعيا معرفيا، وجهدا بحثيا، وتجاوز وصايتهم على المعرفة، والعقل والعلم، وحرية الباحث والإنسان.
فإذا بـ(الوالد الأستاذ) - الذي فاخر غير مرة بمكرمة منح السريحي (مكافأة مالية)، لا تمنح إلا للكبار...! وقت كان الأستاذ رئيس تحرير مجلة التضامن - يرمي كرة اللهب/ الخطيئة العلمية و....؛ نحو رفاقه، فيما هو ذلك البريء الوديع، الذي صدمه عقوق (الولد التلميذ)..
وظل التقرير، هو (الصندوق الأسود) لتلك القصة/ السر.. وظل (الوالد الأستاذ) يبرأ منه، وينكر ما حواه من قرائن.. كان لها فيما لو ظهرت؛ أن تبلغ مبلغ الدليل القاطع؛ بأنه هو من منح (ابنه وتلميذه) مكرمة اتهامه في ثوابته وفكره وعلمه، وأنه هو من عمل على ألا يبلغ السريحي مبلغه فيحصل على (الدال)، وبهذا المستوى الخفيض الحضيض من المنافسة كان (الأستاذ) يدور، وفي كنفها المعتم كان يتمحض. وهو ما لم يكن في وارد (التلميذ) السريحي، الذي لا يعلم بأي ذنب وئد حقه، وأسيء إليه. ولم يتوقع أن حفريات (مكة) في آثار الثماني والعشرين عاما ستكشف التقرير، وقد كان ذلك.. إذ ذهبت (مكة) مذهبا بعيدا؛ فبلغت كشوفاتها تقريرا آخر كتبه (الأستاذ) ذاته، عن باحث من جيل السريحي، هو الأستاذ الدكتور عالي القرشي، الذي غشه (الأستاذ إياه)، ولم يكن صادقا معه، في شأن قبول رسالته للمناقشة، بسبب اقترافه جريرة عظمى، سبقه لها السريحي، وهي الاستشهاد النقدي بمقولات الناقدين العربيين صلاح فضل وكمال أبوديب، وكان (الأستاذ) يتعامل مع تلميذيه بالفضائل ذاتها؛ يظهر لهما القبول، ويدس (عسل) فكره في (التقارير السرية)، فأي أرض تقله وأي سماء تظله..؟ وقد انكشف المخبوء، وظهر (الوالد الأستاذ الثمانيني)، بمظهر لا أظنه يسره.. فوا أسفا على العمر المبتذل في كنف الغلواء واللغو، والمشهد المسرحي الهزلي، الذي اضطر (الوالد الأستاذ) للحلف بـ(حياة ولاده)..! غير أن ما حواه نص التقريرين، اللذين كتبهما بيمينه الندية، يخالف ذلك؛ ليظهر على الملأ: أنه لم يكن صادقا.
كان مكابرا بغير حق، وإلى غير الحق، سوى مداهنة التيار السائد آنذاك، وقد وافق محددات فكرية يؤمن بها، ومسلمات يعتقدها، فألبس دفوعاته الواهية - في مجال الدرس النقدي والقضية الأدبية - لبوس المدافع عما أضحينا نملُّه، ولا نطيق عليه صبرا، من متاجرة بهذه الشعارات، ورفعها في وجه المخالفين، وخلط الأوراق في كل حالة يشعر فيها ذلك وأمثاله، بأن الحق يدحرهم، والحقيقة تعريهم، والمعرفة تتأبى أن يتدنوا بها إلى مستوى من المزايدات الرخيصة.
ولأننا في إطار هذه الدراما من قصة (دكتوراه السريحي) وتداعياتها التي تتجاوز الأشخاص، إلى الفكرة ذاتها، والبنية الفكرية التي يحتكم إليها كثيرون من أمثال (أستاذ) السريحي، فهي مرحلة جديرة باستنباط الدروس والعبر منها، فيما يفيد حاضرنا ومستقبلنا. وجديرة بأن ترصد وتوثق، وتسجل، لأنها مرحلة من مراحل مسيرة الفكر والثقافة والتعليم ومؤسساتها في بلادنا، قبل أن تكون قصة أديب وباحث ومثقف، غبنوه قبل ثلاثين عاما، ولا يزال (أستاذه) وعراب قصة غبنه؛ مصرا على استغفالنا، والتدليس علينا، والله المستعان على ما يصفون.
دكتوراه السريحي.. الفصل قبل الأخير
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
