تعد رحلة ابن جبير لمكة المكرمة وثيقة تحكي بالوصف الصورة التي كان عليها الحرم المكي، فوصف المآذن الملحقة به، ثم الأبواب التسعة عشر، ونقل خلال ذلك الكثير من النقوش الكتابية التي كانت موجودة في بعض أعمدة الحرم، والتي كانت تؤرخ لبعض من نفذ الأعمال الإنشائية، كما نقل بعض النصوص التي تبين وتشير إلى المواقع والأحداث المهمة أو التاريخية، ومن ذلك النقش الذي نقله عن العمود الواقع خارج باب الصفا والذي جاء فيه «أمر عبدالله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله تعالى بتوسعة المسجد الحرام مما يلي الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد في سنة سبع وستين ومائة «ونقش آخر يقول «أمر عبدالله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة الباب الأوسط، الذي بين هاتين الاسطوانتين وهو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصفا» وغير ذلك من النقوش الكتابية التي تتبعها ابن جبير في المسجد الحرام.
كما وصف ابن جبير مكة المشرفة وأبوابها ومقابرها ومساجدها الشهيرة مع أبرز معالمها، ويقول عن أسواقها «هي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر، ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة كالجواهر والياقوت وسائر الأحجار ومن أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر والعود والعقاقير الهندية إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة إلى الأمتعة العراقية واليمانية إلى غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع المغربية إلا ما لا ينحصر ولا ينضبط ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة، ولعم جميعها بالمنفعة التجارية، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها، فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم، فهذه بركة لا خفاء بها وآية من آياتها التي خصها الله بها» ويقول عن الأرزاق المتوفرة بها من الفواكه واللحوم واللبن» وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والأترج والجوز والدوم والبطيخ والقثاء ..إلى سائر البقول كلها كالباذنجان واليقطين والكرنب ..إلى غير ذلك من الرياحين العبقة وأكثرها لا ينقطع طوال العام».
ولعل من أجمل ما نقله إلينا ابن جبير هو طريقة عرض البضائع في أسواق مكة خصوصا الحلوى فهو يقول «وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، إنهم يصنعون بها حكايات أشباه جميع الفواكه الرطبة واليابسة، وفي الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان يتصل منها أسمطة «موائد» بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفكاهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الأزهار حسنا فتقيد الأبصار وتستنزل الدرهم والدينار».
ونلاحظ هنا مقدار الرقي الذي وصل إليه التجار المكيون قبل أكثر من ثمانمئة عام في عرض وتسويق منتجاتهم، يضاف إلى ذلك أننا نستشف من خلال وصف ابن جبير للأطعمة المكية مقدار الأناقة في ترتيب الموائد والأطعمة والتفنن في ذلك الوقت، فهم يصنعون من السكر المعقود قطعا ملونة تشبه أشكال الفواكه، ومجسمات آدمية، ولنا أن نتخيل البراعة في التجسيم والتلوين والعرض، حتى إن ابن جبير وهو القادم من عاصمة الحضارة الأوربية في ذلك الوقت الأندلس يجزم بأنه لم ير مثلها في أي مكان بالعالم.
ونلاحظ من خلال سرد ابن جبير لتفاصيل رحلته تعجبه من كل ما يراه، وتلذذه بكل ما يطعمه في مكة المكرمة، ولعل لعاطفته الدينية وبهجته لقربه من الحرم دورا في ذلك على عكس الكثير من الرحالة الذين كانوا يظهرون تذمرهم من حر مكة أو ازدحامها أو نقص الخدمات بها، فنجده يقول عن الفواكه بها «ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل، وكل فواكهها عجب» ويقول في وصف لحوم الضأن «أما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا» وعن السمن واللبن يقول «وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة».

[email protected]

رحلة ابن جبير.. حكايات مكية عن تاريخها (1-5)
المطاف المرصوف وقباب الحرم المكي في رحلة ابن جبير (2-5)
توثيق الأحداث المكية ونقشها على أعمدة الحرم (3-5)
ليالي مكة الرمضانية وصلاة العيد بحكاية ابن جبير (4-5)
إحرام الكعبة واستقبال الحجاج في مكة قديما (5-5)