في كل عام ومع كل سانحة تحل لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، تزدان السعودية حكومة وشعبا باستقبال ضيوف الرحمن، حجاجاً وعماراً قدموا من كل فجٍ وصوب، وقد كنا في وداع هؤلاء الضيوف الكرام بعد أن من الله عليهم بإتمام نسكهم، بيسر وسهولة والفضل في ذلك يعود بعد توفيق الله إلى القيادة الحكيمة والرؤية الثاقبة التي يتميز بها خادم الحرمين الشريفين الذي ذلل الصعاب لتقديم خدمات راقية بأسلوب تنظيمي، ما جعل أداء هذا النسك ميسرا مسهلا مذللاً بفضل الله تعالى، حتى تحول الحج إلى رحلة فريدة من نوعها في حياة الإنسان، فهي رحلة إيمانية وتنقلات روحانية، ترفرف فيها الروح وينتعش فيها القلب، يعيش فيها المسلمون موسماً عظيماً من مواسم الخير والأجر ومضاعفة الأعمال كيف لا وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الصادق عن حال قلوب هؤلاء الحجاج: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً منِ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)!، إنه لتعبير قرآني عجيب ودقيق! فلم يقل: (اجعل الناس يأتون)، بل قال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً)، فالكلام منصب على هذه الأفئدة والتي وصفها بأنها تهوي! والهوى هو الميل الشديد، فإذاً ..لا نعجب عندما نرى حاجاً قد بلغ من العمر عتيا وانحنى ظهره وابيض شعره ورق عظمه يأتي من أقصى أطراف الأرض ويتحمل المصاعب والشداد ليحج هذا البيت العتيق! نعم.. لا نعجب من ذلك إذا فهمنا أن القلب مجذوب نحو هذا البيت وقد أثر فيه ذلك النداء الإلهي الأزلي على لسان الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فجاء هذا القلب مستجيبا ملبيا حتى يروي ظمأ قلبه ولهفة روحه بحضور هذه المشاعر العظام.
فهنيئاً لمن أوصله الله تعالى إلى هذه الأرض المقدسة فحيّا البيتَ وطاف به عند قدومه، ثم انطلق إلى منى بيوم التروية وارتوت لهم القلوب وفازوا بالمطلوب، ثم وقفوا بعرفات الله وهناك حضروا مشهد التجلي الإلهي الأعظم، فما غابت شمس ذلك اليوم إلا وغابت معها الذنوب فسكبت العبرات وقضيت الحاجات وأجيبت الدعوات، ثم ازدلفوا إلى المزدلفة (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، ثم وصلوا إلى منى ورموا جمرة العقبة ثم وفدوا إلى بيت الله جل جلاله فطافوا ركنهم وسعوا، وقد ظفروا بما له قد أتوا، ثم استقروا بمنى حيث نالوا كل المُـنى، ثم طافوا مودعين بيت الله الحرام، وقد حط الله عنهم الأوزار والآثام وطابت لهم الأيام وغُمروا بالنعم من ذي الجلال والإكرام.
إن مما ينبغي أن يغتنم في مثل تلك الأيام هو الإتقان والتفاني في خدمةِ الحجاج ووداعِهم وطلبُ الدعاء منهم، وقد أتموا نسكهم ورحلوا؛ لأنهم يرجعون وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم وُلدوا، فهم أصفياء أنقياء أتقياء وصحائفهم بيضاء ويستجاب منهم الدعاء، وقد أرشد لذلك سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام فقال: (اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج).
ونحن في هذا البلد الأمين مواطنون ومقيمون بعد أن تشرف الجميع بالمساهمة في خدمة الحجيج وعلى رأسهم قائد مسيرتنا الملك الصالح خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو ولي ولي العهد وكافة المسؤولين من مدنيين وعسكريين وإعلاميين وكشافة وغيرهم من المطوفين والأدلاء وأصحاب حملات حج الداخل وكل الجنود المجهولين الذين يبتغون فضلا من الله ونعمة في ميدان خدمة وفود بيت الله العتيق نأمل أن يشركنا الله في دعوات الحجاج لننال معهم الفوز بالدنيا والآخرة .. اللهم تقبل حجهم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.