عندما تعرضت محافظة جدة لكارثة سيول الأمطار في 22 صفر 1432 ، ونتج عن ذلك وفاة أكثر من 100 شخص وإصابة مثلهم تقريبا، دار الحديث في ذلك الوقت عن استشراء الفساد الإداري والمالي في أوصال المحافظة، مما تسبب في هذه الكارثة التي ستعلق في أذهان الأجيال السعودية لسنوات طويلة
وعندما أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بعد ذلك بشهرين، أمره بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، ومنحها كامل الصلاحيات لمكافحة الفساد الحكومي ورصده، وربطها به مباشرة، كان يهدف من ذلك لخلق بيئة عمل في جميع الدوائر الحكومية، تتسم بالنزاهة والشفافية والصدق والعدالة والمساواة
اليوم وبعد مرور نحو ثلاثة أعوام على إنشاء هذه الهيئة يتساءل الشارع السعودي: ما الذي قدمته «نزاهة» منذ تشكيلها وحتى الآن؟واقع الحال يقول إن «نزاهة»ـ بحسب موقعها الالكتروني الذي ترصد فيه جميع خطواتها ـ يتمحور عملها حول افتتاح فروعها في مختلف المناطق، وإقامة ورش عمل لرصد الظواهر المشتركة لصور الفساد المالي والإداري، والمشاركة في الاجتماعات الخليجية والعربية والدولية، والمشاركة في جميع المهرجانات للتعريف بدورها، والرد على تصريحات مسؤولي بعض القطاعات الحكومية، والاحتفاء بالأيام الدولية لمكافحة الفساد، ومطالبة عدد من الجهات الحكومية بتطبيق القواعد المانعة للفساد
وهذا لا يمنع أن لها بعض التحركات المقبولة، مثل تحقيقها في أسباب انهيار جسر معبر الجمال على طريق الرياض ـ الدمام السريع، وموقفها من تعثر مشروع إسكان مدينة طريف، وتعثر عدد من المشاريع التعليمية بمحافظة الطائف، وحالات الفساد التي صاحبت إجراءات سحب قرعة الأراضي الصناعية بمحافظة طريف، وإحالة المتورطين في صفقة تأمين كراسي الغسيل الكلوي إلى هيئة الرقابة والتحقيق، والتحقيق في أسباب عدم إنجاز مشروع مستشفى الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة خلال مدة العقد، والتحقيق في مخالفات مستشفى الصحة النفسية بجدة، وغيرها من المخالفات التي ترصدها أو توجه الجهات التابعة لها بالتحقيق فيها
الأكيد أن نزاهة تتحرك عطفا على ما تنشره وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة عن وجود مخالفات وتجاوزات في قطاعات معينة، أو ما يردها بشكل مباشر على هيئة شكاوى مواطنين، ومع هذا نجد أن معظم القضايا التي رصدتها إما في قرى أو هجر أو مناطق نائية، أو أنها لملفات أزكمت الأنوف في مناطق رئيسة، وأصبح من المستحيل تجاوزها

ومع هذا يستطيع المراقب لعملها ملاحظة أن عددا من المخالفات والتجاوزات الظاهرة للعيان أو التي لا ينفك الإعلام التذكير بها لا تحظى بمتابعتها أو اهتمامها، ليبقى السؤال الأهم: متى تنشر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أسماء الجهات التي لا تتجاوب مع ما تطلبه منها، كما تعهدت بذلك في أحد بياناتها الإعلامية؟ ومتى يتحول دورها من المطالبة والمتابعة والتوجيه إلى التحويل للتحقيق؟