في إفادة مختصرة لقولٍ مأثور، خبرٌ يقين بأنّ الحياة ما هي إلّا صناعة الفرصة وليست هي الفرصة ذاتها المهداة على طبق من ذهب. غير أنّ المؤمنين وغير المؤمنين بهذا القول يتفقون على نحو ما على أنّ صناعة الفرصة تحتاج لتذليل الصعاب التي تُسمى تلطيفاً بالظروف.

تحمل الظروف في أغلب الأحيان مدلولاً سالباً، فإن كانت فاعلة فهي القاهرة والعائقة والحائلة والغامضة. وإن كانت مفعولاً بها فهي المعقَدة. وليس غريباً أن ترتبط بمواكبة الأهوال والمصائب والحرب إن اقترنت بالسياسة فتترك بذلك أثراً قوياً في ذهن السامع. فإذا قلنا ظروفاً سياسية واكبت الحرب فهي أقوى أثراً من الظروف الاجتماعية، وإن اتخذت شكلاً إيجابياً فستسُكب على تعبير آخر هو الأوضاع أو الأحوال. هذه الظروف المسكينة ظلت على الدوام الشماعة التي نعلق عليها هزائمنا وعجزنا، وهي أقصر الطرق التي تؤدي إلى منطقة الركون والاستسلام لكل ما نقصّر في إنجازه. والظروف هي التي نبنيها بأيدينا لتقف سدّاً منيعاً عن تحقيق الآمال والأحلام الجميلة في تحدٍ واضح لجديتنا وإصرارانا وعزيمتنا، ونستكين بعدها حينما تُصاب عقولنا بالتحجر. هذه خاصية لا تجدها إلّا في بلدان العالم الثالث وبالأخص في شرقنا الأوسط السعيد. أن تجلس على مكتبك كل صباح تقلّب الصحف اليومية أو المواقع الالكترونية، تنتظر أن تجد على الصفحات الداخلية أي جديد، ومهما بلغت إثارة الموضوعات فهي غير كافية لإثارتك مقتنعاً أن لا تغيير حقيقي على أرض الواقع حتى تعمل وسائل الإعلام المختلفة على قوله. أو أن تتصفح الأخبار وأنت مدوناً في قوائم الانتظار في عيادة أو مصلحة حكومية أو غيرها مما أدمنت أوطاننا العربية تعليقنا على قوائمه، بغرض خدمتنا في أقرب وقت إن تحلينا بالصبر. يؤكد الواقع أنّ الشعب العربي هو الشعب الأكثر ممارسة لهذا الفعل فعل الانتظار فهو يمارسه باحترافية كبيرة ويجيد التفنن في أشكاله دون أن تفتح أمامه أبواب الأمل حتى تحول إلى طقس هذياني. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنّنا شعب اعتاد ثقافة الانتظار، فتغيرت ملامح شخصياتنا، وركنّا إلى الأمل والحلم أكثر من الواقع ومعايشته، ليس لأننا حالمون بل لأنّ الانتظار عودنا الحصول على الفراغ واللاجدوى. تتخرج الألوف المؤلفة من الشباب من الجامعات وبمختلف التخصصات وتنتظر التوظيف وهم على مقاعد البطالة والتسكع لسنوات طوال. وتمارس المرأة العربية انتظاراً من نوع آخر، فهي تنتظر لتكمل تعليمها وتنتظر الوظيفة وتنتظر العريس وتنتظر وتنتظر إلى ما لا نهاية. الانتظار الذي تعلمه شعب بلادنا العربية فاق مداه فاستوطن فينا.
أشهر ما تم عرضه عن فلسفة الانتظار هو ما جاء في «العجوز والبحر» رائعة أرنست همنجواي. لم يكن للعجوز شيء يفعله غير الانتظار أربعة وثمانين يوماً وفي اليوم الخامس والثمانين اصطاد سمكة ضخمة افترستها حيتان البحر ليعود بها إلى الميناء في القارب الصغير عبارة عن هيكل لرأس فقط. كل الأمل والحياة تجسد في الحركة اليومية التي يقطعها العجوز من كوخه إلى البحر لمدة شهر وتجسد في رحلة الصيد ثم الصيد نفسه وصراعه مع الحيتان الكبيرة للمحافظة عليها. هو نفس الانتظار الذي أجبر الشعب العربي أن يتمسك به أملاً في أن تُحلّ مشاكله. إنّها طبيعة البشر التي تأبى الاستسلام لا لجبروت البحر الذي هو الحياة بخضم صراعها المرير ولا لحيتانه ولا لكل ما تجمع من قوى طاغية ضده. العجوز هو الإنسان العربي، والبحر هو مساحة إمكانية بقائه على أرضه بتلاطم أمواجه وقوة جذبه ومده، وسمكته هي أمنه وسلامه ولقمة خبزه التي تدخل ليلتها الأخيرة من رحلة العودة إلى الميناء تتصارعها معه حيتان كثيرة وهائلة، فهل ستطول هذه الليلة وإلى متى سيكون فجرها. الشعب العربي ينتظر فرجاً ولكن من دون جدوى، فأقصى عقاب له تحت سمائه المكتسية باروداً وحرباً هو أن ينتظر، فإن لم يمت بالحرب فهو ميت بالانتظار.