ما بعد أبيك وبريسبن الجغرافيا السياسية تتغير باتجاه عالم متعدد الأقطاب

عصام عبدالله - واشنطن

حصلت الصين على كل ما أرادت وعلى جميع الجبهات في قمة أبيك، أي كل ما يتعلق بالاقتصاد العالمي للقرن الحادي والعشرين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
بيبي اسكوبار، عدد المزايا والمكاسب التي حصلت عليها الصين في قمة أبيك، والتي ستتمكن بموجبها من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، كما جاء في مقاله المعنون “طريق الصين الحريري إلى المجد”، والذي نشر في 16 نوفمبر الحالي، على الموقع الالكتروني في “آسيا تايمز”.

طفرات صينية

1 مصادقة الدول الأعضاء الـ 21 على منطقة التجارة الحرة لآسيا والمحيط الهادئ، وهي أكبر صفقة تجارية قادرة على دفع عجلة التعاون بين آسيا والمحيط الهادئ.
فقد وقعت الصين و20 دولة آسيوية أخرى في أكتوبر الماضي على مذكرة تفاهم لتأسيس بنك تنمية جديد متعدد الأطراف يسمى “بنك تنمية البنية التحتية الآسيوي” والذي يعد التحدي المؤسسي الجدي الأول للبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي.
ومن المعروف أن الاقتصادات المتقدمة هي التي تفرض سطوتها على المؤسسات الدولية، فأوروبا تقود صندوق النقد الدولي، وأمريكا تسيطر على البنك الدولي منذ تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان ترأس بنك التنمية الآسيوي منذ 1966، أما الصين فستكون أكبر المساهمين في بنك تنمية البنية التحتية الآسيوي وبحصة تبلغ نحو 50% وسيكون أول رئيس له من الصين ومقره بكين.

2 تحقيق التواصل والاتصال الشامل في جميع أنحاء آسيا والمحيط الهادئ عبر استراتيجية متعددة الجوانب لتنفيذ البنية التحتية الآسيوية للاستثمار.
لا سيما وأن إنشاء هذا البنك الجديد هو رد الصين السريع على رفض واشنطن إعطاء بكين المزيد من (القوة التصويتية) في صندوق النقد الدولي والتي لم تتجاوز 3.8 % من الأصوات، بينما تملك فرنسا رغم ركودها 4.5 %، أما الولايات المتحدة فتصل إلى 16.8 % من الأصوات!

3 إبرام أكبر صفقة للغاز بين بكين وموسكو، وهي ثاني صفقة ضخمة هذا العام، خط أنابيب التاي في سيبيريا الغربية، بينما أبرمت الصفقة الأولى في مايو الماضي.

4 أعلنت بكين عن البدء في بناء أكبر حزام اقتصادي في القرن الحادي والعشرين (طريق الحرير البري والبحري) بتكلفة أولية لا تقل عن 40 مليار دولار.
هذه الموجة من الصفقات والاستثمارات في البنية التحتية تتلاقى نحو هدف طموح واسع النطاق هو “طريق الحرير الجديد” الذي يشمل بناء شبكة معقدة من السكك الحديدة فائقة السرعة وخطوط لأنابيب الغاز والموانئ وكابلات الألياف البصرية ووسائل الاتصالات الحديثة عبر جمهوريات آسيا الوسطى، حيث ترتبط الصين وروسيا وإيران وتركيا والمحيط الهندي، وتتمدد إلى أوروبا على طول الطريق إلى البندقية وروتردام وبرلين.

حلم أوراسيا

الصين تحقق اليوم حلم “آسيا والمحيط الهادئ” وأكثر، إنه “حلم أوراسيا” أي آسيا وأوروبا معا، طريق جديد للحرير يربط التجارة العالمية الشاملة بين الشرق والغرب، بدءا من الصين ومرورا بروسيا وصولا لأوروبا، بينما تحدق واشنطن ونخبها في وول ستريت في ذهول مما يجري فيما وراء الشرق! “إن عدم مراعاة مصالح القوى الأخرى لن يوقف الاضطرابات في العالم”، هذا ما أكده وبنبرة الثقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كرر نفس الكلام وبشكل قاطع في بكين وأستراليا: إن واشنطن (العاصمة السياسية لأمريكا) و”وول ستريت” (في العاصمة الاقتصادية بنيويورك) لا توجد لديهما أي نية للسماح للحد الأدنى من التعددية القطبية في العلاقات الدولية، لذا سيظل العالم يعاني من هذه الفوضى واللا نظام!

تمحور موسكو

موسكو تتمحور مصالحها اليوم باتجاه الشرق أو قل بعيدا عن الغرب، ويبدو أن الشراكة الاستراتيجية مع روسيا تتطور على عدة مستويات: في مجال الطاقة تتحول روسيا شرقا، وفي مجال العملات المالية (اليوان ـ الروبل) في مواجهة الدولار الأمريكي، وأخيرا في مجال التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وهو الأمر الذي يفزع المحافظين الجدد بالولايات المتحدة من أن يؤدي التقارب الصيني ـ الروسي لخسارة أمريكا هيمنتها الجيوسياسية ـ الاقتصادية العالمية.

تعدد الأقطاب

طريق الحرير الجديد هو الذي سيصيغ الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين، نعم إنه قرن “آسيا والمحيط الهادئ” كما يقول الأمريكيون.
ولكن بأي معنى؟، هل سيعيد التوازن في العلاقات الدولية؟لقد نوقشت خلف الأبواب المغلقة في قمة مجموعة العشرين في بريسبن بأستراليا قبل أيام العلاقات بين الصين وألمانيا عبر روسيا (وأمن الطاقة بين السعودية وروسيا) ناهيك عن دول البريكس.
إن اللاعبين الدوليين في مجموعة العشرين أكدوا على “عالم متعدد الأقطاب” في مقابل هيمنة القطب الواحد.
ومثلما أظهرت قمة أبيك أن الجغرافيا السياسية تتغير وأن الحرب وعدم المساواة والتفاوت حالات استثنائية وليست قدرا محتوما أو مفروضا على العالم، رسخت هذه القناعة قمة مجموعة العشرين مؤخرا.
وباختصار، إن الصين اليوم لم يعد بمقدورها “إخفاء اللمعان وتبني الغموض” حسب وصية دينج كيساو بينج مهندس الانفتاح الاقتصادي في الصين.