منذ قرن من الزمن أو أقل ببضع سنين وبالتحديد 1343هـ، تطالعنا الصكوك الوقفية من سجلات ووثائق الأوقاف السلطانية بظاهرة اجتماعية مكية نابعة من مجتمع حقيق برعاية بيت الله الحرام وسكناه، منسجمة مع دينه أولا ثم مع طبيعة المجتمع التعددي المنفتح على الثقافات الإنسانية الوافدة من جميع أنحاء العالم.
في تلك الفترة من الزمن كانت المرأة تعيش في البلاد العربية أنواعا من الظلم والقهر والسلب، في حالة من تسلط القبيلة والعشيرة وثقافة البادية التي تنزع في هذا الجانب إلى النزعة الجاهلية، بل وفي زماننا هذا ومع هذا الانفجار الإعلامي والعلمي والثقافي وانفتاح العالم على بعضه ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، وانتشار العلم ودخوله في كل بيت، لاتزال بعض القبائل إن لم يكن أغلبها تساوم المرأة على ميراثها وتغالبها عليه ولا ترى لها حقا فيه، وما زالت المرأة تشتكي ظلم العائلة والعادات القبلية.
- المكيون وحقوق المرأة المجتمع المكي كان علامة بارزة، ونافذة مشرقة على عدالة الإسلام والتزام تعاليمه، والنزوع نحو تحرير الإنسان في بلد لا تكون العبودية فيه إلا لرب هذا البيت ورب هذا الحرم، في زمن كان العالم يضج بالبؤساء.
من واقع هذه الوثائق السلطانية والسجلات الوقفية يتضح لكل مطلع مدى هذا العدل الاجتماعي والمكانة التي حظيت بها المرأة المكية من حفظ حقوقها حاضرة وغائبة، راشدة وقاصرة، فيما يتعلق بالحكر الموروث أو الخاص بها، أو ما هو مشترك بين عدة شركاء هي أحدهم.
ومما ورد في إثبات ذلك ما نصه:(صورة كشف صادر بتاريخيه أدناه بنمرة واحد فيما هو موضح فيه صورة ما دل عليه الكشف من دفتر مسقفات وقف المرحوم السلطان محمد قايتباي طاب ثراه.
عما هو خاص بأسماء المكرمين عبدالقادر وعبدالواحد ومحمد وفاطمة وخديجة أولاد المرحوم سليمان ابن محمد حويت المطوف...) إلى أن قال: (وأذن الناظر المومى إليه للمكرمين عبدالقادر وعبدالواحد ومحمد وفاطمة وخديجة المستحقين المذكورين أن يفرغوا استحقاقهم المذكور على من شاؤوا لدى الحاكم الشرعي..).
وإذا كانت المرأة داخلة في التركة مع إخوانها في صك الحكر المذكور، فإنها تأتي مستقلة في كثير من الصكوك.
من ذلك ما جاء في الصك رقم 92 صحيفة 46 ما نصه: (صورة ما دل عليه الكشف من دفتر مسقفات وقف المرحوم سليمان خان عليه الرحمة والرضوان آمين.
عما هو خاص باسم المصونة صفية بنت المرحوم الشيخ عمر ابن عبدالحميد البغدادي الحريري...) إلى قوله: (وأذن مدير الأوقاف المحترم للوكيل الشرعي عن الغائبة المصونة المستحقة المذكورة ...أن يفرغ لها جميع مستحقاتها المذكورة بباطن هذا الكشف بمكة المكرمة على من شاء...).
ميراث المرأة والعدل الاجتماعي المكي
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
