مشكلة بعض إخواننا الذين خرجوا بشطحات وفهوم خاصة بعيدة في قضايا متصلة برؤية الإسلام لبعض جوانب الحياة وموقفه منها، واتجاه بعضهم إلى رفض بعض أحكامه التي يرونها مصادمة للمستقر عندهم من موقف وفلسفة، أنهم في الأعم الأغلب لم يأتوا من جهل حقيقي بقدر ما أتوا من منزع خفي هو أن مبدأ التسليم والإيمان التام بالإسلام لم يثبت في النفوس على القدر الذي يجعل من أحدهم باحثا مطمئنا بالإيمان فيكون نظره وبحثه بعد ذلك لاستجلاء الأمر وفهمه على وجهه الذي لا شك عنده في كماله ومناسبته في حقيقة الأمر، والحديث هنا عما ثبت بدليل صحيح صريح، فغالبا ما تجد أن لدى المخالف في بعض القضايا الخطيرة باعثا آخر للمخالفة سوى الموضوعية المدعاة، ومن ذلك بطبيعة الحال الميول النفسية الخاصة، وهو ما سماه القرآن بالهوى، ومنها في أحيان كثيرة بقاء بعض اللوثات السابقة التي لم تغادر نفسه حتى بعد اشتغاله بالبحث في قضايا الشريعة وانتسابه لفئة الباحثين الإسلاميين كما يسمون، لهذا المعنى كان صلى الله عليه وسلم يتجاوز عن بعض تصرفات حديثي الإسلام ويعزوها إلى ما ألفوه في جاهليتهم أو إلى الحالة النفسية التي كانوا عليها قبيل إسلامهم فيترك صلى الله عليه وسلم لهم فرصة زمنية لتزول خلالها هذه الشوائب وتصفو النفوس ويقوى الإيمان في النفوس. ومن لطيف ما ذكر أصحاب السير في ذلك، وإن كان متصلا بجانب الأخلاق والشأن الاجتماعي، قصة وائل بن حجر رضي الله عنه، حيث قدم من حضرموت إلى المدينة مسلما حين سمع بالإسلام من غير رغبة ولا رهبة وإنما حبا لله ورسوله، فاحتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمه، وقال لأصحابه من أول لحظة “ارفقوا به فإنه حديث عهد بملك”.
وكان من أبناء الملوك، واستضافه في بيت واسع خارج المدينة وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليوصله وكان راكبا على ناقة ومعاوية يمشي على الأرض يقول وائل ابن حجر: حتى إذا كنا ببعض الطريق قال معاوية: يا وائل إن الرمضاء قد أصابت بطن قدمي فأردفني خلفك. فقلت ما أضن عليك بهذه الناقة، ولكنك لست من أبناء الملوك وأكره أن أعير بك، قال معاوية: فألقِ إلي حذاءك أتوقَ به حر الشمس. فقلت ما أضن عليك بهاتين الجلدتين، ولكنك لست ممن يلبس لباس الملوك وأكره أن أعير بك، وشكاه معاوية إلى رسول الله بعدها فقال صلى الله عليه وسلم: “إن فيه لعبية من عبية الجاهلية”. ثم تغير حاله بعد ذلك وندم على موقفه وكان بينه وبين معاوية قصة حين تولى معاوية الخلافة.
لوثات سابقة
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
