يروي أحد الناشرين: جاءنا أحد الشعراء قبل عام طالبا طباعة ديوان شعري، أخبرناه أننا لا نطبع الدواوين إلا على نفقة الشاعر الشخصية ودون تحمل أي مسؤوليات تجاه ضعف المبيعات، ووافق على ذلك، وحين أصدرنا الديوان لم يبع منه سوى عشر نسخ فقط، فيما تكفل هو بأخذ جزء مما تبقى وشراء الجزء الآخر
يحدث هذا بشكل معقول جدا في الوقت الذي تغيرت فيه معادلة التلقي بفعل الإعلام الرقمي، وأعادت فيه الوسائط الجديدة مفاهيم الجميع عن النشر الثقافي والإبداعي، فبالدرجة ذاتها التي يؤثر بها هذا الواقع على فكرة الكتاب الورقي إجمالا، يجد الشعراء أنفسهم في قلب هذه الإشكالية في اللحظة التي يفكرون فيها بإصدار كتبهم الشعرية، فالحديث هنا عن تقليد عريق اعتاده هؤلاء الشعراء حين كان صدور ديوان جديد يعد حدثا ثقافيا ولكن هذا التصور اختفى الآن ليحل مكانه السؤال «هل أصبح الديوان المطبوع ضرورة أدبية فحسب، تسجيل موقف فقط، تصرفا مجازيا ليس إلا ؟»
الديوان عائد إلى الأمامالكاتب والشاعر سامي الجار الله، والذي يستعد لإصدار ديوانه الجديد «مطر دافي» يعتبر أن مفهوم الديوان يختلف عن بقية الإصدارات المطبوعة كمنتج، فهو أقرب إلى كونه ملفا يتضمن أعمالا أدبية مستقلة بذاتها، على عكس الروايات والكتب الفكرية وغيرها التي تأتي بشكل متكامل ولا يمكن اجتزاء شيء منها، يضيف «كل هذا بنظري يجعل الديوان خارج نطاق الرهان على المبيعات أو صدمة الجمهور لأنه في الغالب مألوف المحتوى، يندفع له الشاعر كهوية شخصية لمرحلة أدبية من حياته ويقبل عليه الجمهور بحكم علاقة أو متابعة مسبقة مع صاحب الديوان»
الجار الله لا يعتقد بوجود بديل محتمل لفكرة الديوان المطبوع، حيث يراه بحد ذاته بديلا للمنصات الإعلامية الشعرية التي توارت كالمجلات والمسابقات وغيرها، ويعلق «لقد تشبع المتلقي من الشعر الذي حاصره بكثافة لعقدين من الزمن لتكون شبكات التواصل الاجتماعي هي الشعرة التي قصمت «ظهور» الشعراء، ولكن هذا لن يلغي تفرد الديوان المطبوع في الدور الذي يؤديه، أنا على ثقة بأنه سيعود للصفوف الأمامية من جديد»
ديوان رقمي
احتمال غير واردالأديبة دينا الشهوان بدورها ما زالت ترى أن طباعة الديوان ما زالت فكرة وجيهة، بل إنها تعد مرور الزمن عاملا لزيادة قيمة الكتاب المطبوع وليس لانتزاع تلك القيمة كما يتبادر لبعض، وتعلق «الكتاب الورقي له فرحته وألقه الخاص، كما أنه يتجلى على الورق، يسكن رفوف الأحبة والأصدقاء، هو صديق صادق لا يخذلك أبدا، فهو معك أينما ذهبت، أما الرقمي فهو بلا رائحة مجرد من الحنين وغريب بعض الشيء، إنه محكوم بقرارات سلكية وعليك أن تضمن شحنه قبل أن يتركك في منتصف الطريق، ما زلت أعتبره منتجا جامدا ولا يمثلني، لا آمنه على بوحي أو رسومي، لا يصادقني ولا يحرضني فقط تحكمه شاشة تعمل وقتما تشاء وهذا لا يحرض على شغف القراءة»
وإن كانت الشهوان تعتبر الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر وغيرهما مسألة في غاية الأهمية، إلا أنها لا ترى إمكانية تحول الديوان الشعري إلى منتج رقمي، إلا إذا كان الديوان كنسخة أخرى لمن يحب تصفحه وقراءته بشكل الكتروني فقط لا غير
التوثيق
وليس التسويقبحسب الرواية النظرية، يحتاج الشاعر إلى ثوان فقط لإرسال نسخة الكترونية من ديوانه بهاتفه الذكي إلى أي مجموعة يستهدفها أو إلى شخص يريد، أما بحسب الرواية التسويقية فالشاعر يحتاج إلى وقت أطول بكثير ليقنع دار النشر بطباعة إصدار شعري، في وقت يخبره فيه ناشرون بوضوح أنهم توقفوا عن طباعة الدواوين أصلا، وهنا سيكون التصرف الوحيد هو أن يتحمل الشاعر تكاليف ديوانه، ما لم يجد جهة تتبناه لأسباب ثقافية بحتة، قبل أن يعود للقناعة الأولى والأخيرة «أنا أطبع من أجل التوثيق
التوثيق والإهداءات طبعا»
الجار الله: شبكات التواصل قصمت ظهور الشعراء
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
