عند استقراء الأحكام الشرعية نجد أنها شرعت من أجل مصلحة الإنسان، إما لجلب النفع له، أو لدفع الضر عنه، فكان من عدالة التشريع الإسلامي أنه قصد حفظ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، ومن حكمة الله تعالى في ذلك أن نص في كتابه الكريم على أحكام خاصة بأمور الحدود والقصاص تناولت الفعل وعقوبته فجاءت صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان مهما امتد بها الزمان أو تقادم بها العهد، وجعل الله تعالى الأمر فيما عداها لولي الأمر، يحكم فيه بما يتفق والتغير في حال الرعية من زمان إلى زمان آخر في ظل قواعد الشريعة الكلية بحيث لا يخرج ولا يحيد عنها
ومن جماليات هذا التوازن أن الأحكام تصدر بما يتفق مع التغير في حياة الناس من حين إلى حين آخر، فلا يمكن أن تطبق أحكام خاصة بمعاملات الناس وتنظيم العلاقة فيما بينهم بذات الصورة التي طبقت بها في عهود سابقة وذلك لاختلاف الناس وتبدل المعطيات، وهذا من تمام الإسلام وعدالته وتميزه بين الشرائع الأخرى
وغني عن القول إن المحافظة على أمن وحماية المجتمع من كل ما يعكر صفوه، والعمل على صيانة الكرامة والشرف، وحماية الفضيلة، هو ديدن المجتمعات وشغلها الشاغل، ولذلك تعكف الجهات التشريعية في مختلف الدول على سن القوانين التي تفرضها الحاجة ويؤكدها واقع المجتمع لتكون سياجا منيعا ضد كل من يحاول تعكير الصفو والعبث بأمن وسلامة المجتمع، وذلك نتيجة لما شهده ويشهده العالم من تطور سريع وتبدل مذهل، وما أحدثته التقنية من سهولة في التواصل بين أقطار الأرض المختلفة، وما أفرزه تداخل الثقافات من تغير في المفاهيم واختلاف في الرؤى، وما طرأ من تغير في نمط حياة الأسرة، ومن ذلك خروج المرأة للعمل، وسفرها لطلب العلم، خاصة أنها في مجتمع كمجتمعنا لم تكن كغيرها من النساء فهي إلى عهد قريب لا تعرف من العالم أكثر من حدود بيتها، وإن غادرته تغادره إما لزيارة قريب أو لعيادة طبيب، ولكنها الآن باتت شريكة للرجل في معترك الحياة فهي الطبيبة والمعلمة والمهندسة والمذيعة وغير ذلك، ومن الطبيعي أن ينتج عن خروجها واحتكاكها بالرجل بعض السلوكيات الخارجة عن المألوف، وهي في ذات الوقت وإن كانت تصرفات مرفوضة إلا أنها تأتي في سياق الميل الغريزي الفطري للرجل نحو الأنثى والعكس صحيح، وهذا ما فرضته طبيعة تكوينهما، إذ إنه الأساس الذي بني عليه مبدأ استخلاف الإنسان في الأرض، ولذلك جاء الأمر في كتاب الله تعالى للمرأة بالحجاب صيانة لها من الفتنة وحفاظا عليها من التعدي
ولأن الحياة وحاجة المجتمع فرضت على المرأة هذا الواقع الجديد فلابد من أن تهيأ لها الظروف المناسبة لتؤدي رسالتها بما يحفظ كرامتها ويصون أنوثتها
وكنتيجة طبيعية لخروج المرأة وعملها وذهابها لشراء بعض ما تحتاجه تتعرض من بعض ضعاف النفوس لبعض المضايقات، منها ما كشف النقاب عنه وظهر عبر وسائل الإعلام، ومنها ما بقي طي الكتمان خوفا من عواقب كشفه وما يمكن أن ينتجه من آثار يصعب في نظر من تعرض لها أن يتم تداركها، فظهرت بعض الأصوات تنادي بضرورة سن قانون (نظام) مكافحة التحرش الجنسي، إلا أن تلك المطالبات جوبهت برفض مستميت من قبل أناس كثر، واتهم من نادى بذلك بأنه يسعى إلى إباحة السفور ويدعو إلى التبرج
والغريب أن من يعارض سن هذا القانون يترنم بين الفينة والأخرى بأننا مجتمع متدين محافظ يردعه دينه عن كل ما يمكن أن يخدش الحياء وينال من العفة ويسيء إلى الكرامة، وفي ذات الوقت أظهروا المجتمع وكأنه مجتمع جبل على الخطيئة، لا تردعه تلك القيم عن أن يقترف الخطأ
والغريب أن من بين من يعارض سن هذا القانون من عقد الندوات وقدم البرامج وأسهب في الحديث عن حقوق المرأة وكيف يمكن لها الحصول عليها!وإذا عرفنا أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأن واقع المجتمع وما أفرزه من سلوكيات وأحداث مستجدة يقتضي أن يقابله من النصوص القانونية (النظامية) ما يضبط حركته ويبين حدود الفعل النافع من الفعل الضار، وماذا يترتب على إتيان الفعل الضار من عقوبة، فإن من لا يردعه دينه وخلقه عن فعل أمر فيه تعدٍ ومساس بالآخرين، فلن يردعه إلا سلطان القانون وسطوة الحق في الحفاظ على حريات الناس وخصوصياتهم
وهل يعي من يعارض سن هذا القانون أن الله تعالى أوجب القصاص لا للقصاص ذاته بل ليعلم الناس أن من قتل سيُقتَل، وبالتالي يتحقق الأمن للمجتمع؟
ما لكم كيف تحكمون؟
بخيت آل غباش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
