الكثيرون يقولون إن تطور كوريا الجنوبية على مدى نصف القرن الماضي هو تطور مذهل. والآن نعرف لماذا. منذ وقت ليس بالبعيد، في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، لم تكن كوريا الجنوبية تختلف كثيرا عن بلدنا ماليزيا. كانت بلدا متخلفا وفقيرا نسبيا. لكنها تختلف كثيرا اليوم. الدراسات تشير إلى أن ارتفاع البلد من نقطة الفقر إلى النجاح الباهر يعود إلى عامل واحد مهم –الإبداع. كوريا الجنوبية حاليا عضو في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)، وهي عبارة عن ناد للدول الصناعية الغنية. في عام 2010، أصبحت كوريا أول بلد آسيوي يستضيف قمة دول مجموعة العشرين (G20)، كوريا حاليا بلد غني ومتطور تكنولوجياً.
كثيرون حريصون على معرفة أسرار نجاح كوريا الجنوبية بهذا الشكل الباهر، الرئيس الكوري الأسبق لكوريا الجنوبية بارك تشونج هي (1962-1979) ربما يكون هو الذي وفر نقطة الانعطاف لبلاده. سياسة الإصلاحات السياسية التي اتبعها فتحت الاقتصاد الكوري على التجارة الدولية وحثت على استثمارات قوية من قبل القطاعين الحكومي والصناعي. النتيجة كانت مدهشة. في البدايات عندما كان البلد أقل تطوراً، من كان يعتقد أن كوريا الجنوبية ستمتلك ماركات عالمية مثل سامسونج، هيونداي، وإل جي، من بين أسماء كثيرة، ومن كان يتخيل أن سامسونج ستنافس ماركات عالمية مثل آبل في صناعة الهواتف الذكية؟ ومن كان يتخيل أن هيونداي ستتمكن يوما من منافسة شركة هوندا على حصة في سوق السيارات العالمي؟ كثيرون لا يزالون يتذكرون بالتأكيد عندما فزنا عليهم في كرة القدم وتأهلنا لأول مرة إلى أولمبياد ميونخ 1972. الآن، استطاعوا أن يصلوا إلى نهائيات كأس العالم. الكثيرون يعتقدون أن التزام الكوريين بالإبداع هو الذي مهد الطريق لنجاحهم.
هذا ليس أمرا مفاجئا. بحسب رأي البنك الدولي، فإن “الإبداع بجميع أشكاله، خاصة الإبداع التكنولوجي، أصبح قائدا هاما للنمو، وتعزيز التنافسية، وزيادة الرفاهية الاجتماعية في جميع اقتصادات العالم.” ولكن كيف حولت كوريا الجنوبية الإبداع من نشاط يهيمن عليه الأكاديميون إلى عنصر استراتيجي في العمل؟ كيف حولت كوريا الجنوبية شركاتها لتصبح مهتمة إلى حد كبير بالإبداع؟ على مدى سنوات طويلة، تولت الصناعة في كوريا موقعا رياديا في الأبحاث التطبيقية. الأبحاث التطبيقية في ماليزيا لا تزال تقودها المؤسسات الحكومية. هل نستطيع أن نتعلم من تجربة كوريا الجنوبية لتنشيط مشاريعنا الصغيرة والمتوسطة وتشجيعها على الاستثمار والمشاركة في الأبحاث والتطوير؟ هل هناك دروس من كوريا الجنوبية تستطيع أن تساعد على تحفيز الإبداع في شركاتنا؟
تحليل صيغة الإبداع الكوري يبين بوضوح عاملا رئيسيا للنجاح، وهو فرض ثقافة الإبداع بقوة على قطاعات الأعمال في كوريا، وصانعي السياسة، والمجتمع، والأكاديميين. لم يكن الأمر سهلاً. كما هو الأمر عندنا في ماليزيا، لم يولد الكوريون وهم يتمتعون بثقافة الإبداع. ولكن كيف فعلوا هذا؟ هناك أدلة كثيرة تبين أنهم فعلوا هذا من خلال اللجوء إلى استخدام القانون. هناك، جميع المبادرات المتعلقة بالإبداع تقريبا يتم تطبيقها بنوع من أنواع الدعم القانوني. لديهم قوانين حول الإشراف على العلوم وإدارتها. وكذلك فإنهم يضعون قوانين لتحفيز المجالات التكنولوجية الجديدة، وتكنولوجيا علوم الأحياء، ومجالات أخرى كثيرة.
علينا أن نحاول تطبيق الصيغة الكورية. علينا أن نفعل الشيء نفسه إذا كنا نريد تقوية ثقافة الإبداع لدينا. علينا أن نمضي قدما لوضع قانون العلوم المخطط له. هذا القانون موجود على مائدة التخطيط منذ فترة طويلة دون أن ينتهي حتى الآن. في واقع الأمر، علينا أن نوجد أدوات قانونية أخرى تشجع على قيادة الأجندة العلمية لدينا. في كوريا الجنوبية، لديهم حتى قانون يلزم الدولة على الاستثمار في الدراسات ذات الطابع الاستشرافي كل خمس سنوات. الآن، هم يفكرون أن يجعلوا ذلك إلزاميا كل ثلاث سنوات.
من خلال مثل هذه القوانين، تمكنت كوريا الجنوبية من تطبيق استراتيجيتها الإبداعية بشكل فعال. علينا أن نتذكر أن الإبداع عملية على المدى الطويل. على سبيل المثال، استغرق الأمر من كوريا الجنوبية أكثر من 20 سنة لتصبح من بين الدول الرائدة عالميا في التكنولوجيا النووية! حالياً، كوريا الجنوبية تبيع التكنولوجيا النووية. هم بدؤوا أيضا من خلال التعلم من الشركاء الدوليين. الدراسات التطبيقية في كوريا الجنوبية تستند إلى نموذج فراونهوفر الألماني. ليس هناك شك بأن كوريا الجنوبية نجحت في استخدام الأدوات القانونية استراتيجيا لغرس ثقافة إبداع نابضة بالحياة بين أفراد الشعب، خاصة في المجال الصناعي. النتائج الآن تتحدث عن نفسها. استثمار البلد في الإبداع يقطف ثماره.