مع دخول فصل الشتاء، لا تزال غزة في انتظار إغاثة أهلها الذين دُمرت بيوتهم. باتت قضايا رفع الجدران وبناء الأسقف، وانفتاح أفق التغطية لأكلاف المعيشة، وانفتاح المعابر، وإتاحة السفر طلباً للرزق أو تواصلاً مع أجزاء من الأسر؛ تحتل موقع الأهمية الأولى في أوقات فلسطينيي غزة. أما الأطفال الذين حُرموا من بيوتهم فإنهم في حاجة إلى ما يقيهم من برد الشتاء. إن كل المبتغى هو تحقيق الشروط المتعلقة بكيفية الحياة، بينما القضية الفلسطينية لن تفقد ديمومتها، لكن النضال على طريق العدالة والحق، يتطلب رفع حياة البشر إلى سوية الاقتدار، وتجنيبهم المصائر التعيسة!
في هذه الأثناء، أضاف المحتلون من شعر المعاناة أبياتاً وقصائد. فقد صعّدوا وتيرة هجمتهم على المسجد الأقصى في القدس، لتنفتح أبواب جديدة للغضب الشعبي الفلسطيني الذي يقابله المحتلون بالقمع والنيران. يعم التوتر سائر الأراضي المحتلة من فلسطين التاريخية. فقد اشتعلت القدس في وقفة تحدٍ لمرامي المحتلين وخططهم، وانتفض الناس في أراضي 48 وارتبكت الطبقة السياسية في إسرائيل، وأحست أنها تخوض في مقامرة خاسرة، من شأنها إضاعة ما ربحته من موجة التسويات التي حدثت وتبعتها علاقات خفية مع دول في الإقليم.
لقد كانت ردود أفعال الفلسطينيين الغاضبة، في القدس، هي الوسيلة الوحيدة المتاحة، في ظروف لا تقوى فيها السلطة الفلسطينية ولا «حماس» على فعل شيء، بعد انسداد أفق التسوية وإلزام المقاومة بالتهدئة تحت طائلة تدمير غزة تماما. ولا ينتظر الفلسطينيون نصيراً ولا شفيعاً من إقليم عربي يشهد كوارث طالت البشر والحجر. فما يجري الآن، في الجوار العربي لفلسطين، من ترخيص للموت جعل ناس الأمة في حال مزرية، وبات الخبز والمـأوى والماء، في صدارة الأمنيات. فلا شيء يُرجى في هذا الخضم!
على هذه الحقيقة ينبغي أن تُبنى السياسات في فلسطين. عنصر الجدارة والعبقرية، يكمن في التوافر على ضمان عدم الانزلاق إلى رقاعة السياسة والتسليم للعدو وفي عدم التزحزح عن الثوابت، مع عدم المغامرة والمقامرة ونكران علم الحساب وأرقام الربح والخسارة قبل فتح النار.
لم تعد للشعارات سوق رائجة. فالانحياز للحياة وجوهرها الحفاظ على الوطن والذود عنه، هو الدرس الأخير والأبلغ. وهذه برقية من فلسطين إلى اليمن. فإخوتنا اليمنيون، من الحوثيين، يرفعون شعارات فلسطين و»الموت لأمريكا» فوق كل شعاراتهم، لكن خراب اليمن لن يُغيث فلسطين ولن يقتل أمريكا. ما يُغيث فلسطين ويؤدب أمريكا هو الأوطان الرصينة والأمم الناهضة، لا الأوطان المفككة والشعوب التي تصرف على البنادق والخناجر والرصاص للاحتراب فيما بينها، أكثر مما تصرف على الخبز والطبابة والتعليم.
إن قضايا الحياة، واستقلال الأوطان، تتطلب تسمية الأشياء بأسمائها. فحين يهتف غوغاء الحوثيين: «الموت لأمريكا» عليك أن تفتش عن مكمن الخديعة والنَصب، في منطق المرجعيات التي لقنت هؤلاء، شعاراً بهذه الصيغة. ليس ذلك لأن البلدان، صغيرها وكبيرها، لا تموت، وإنما لأن الشعار مُضلل أصلاً ومفسد للذائقة السياسية. فالأعداء لا يُواجهون بنداء يتوخى الموت لبلدانهم، لأن الأوطان ليست بشراً لها رؤوس تُقطع فتموت ولأن المرتجى هو إسقاط السياسات العدائية وإحباطها.
عندما تكسد البضاعة المغشوشة، تفتش لها عن سوق فقيرة وعطشى. هجم الحوثيون على سائر اليمن، ولضمان الحصول على ما فاز به الملالي في العراق؛ تحركوا لمطاردة «القاعدة» في جيوبها داخل البلاد. لكن وقائع الغمار، فضحت الغانمين: طائرات أمريكا التي بلا طيارين، المجهزة بالقذائف الموجهة، ساندت الحوثيين من الجو. والمسألة كلها، تطرح أحجيتها في إطار مباحثات الملف النووي الإيراني، الذي تأمل طهران أن يكون بشروط أفضل. إن بعض أوطان العرب تحترق، لكي تتعزز أوراق إيران في ملفات عدة. فأجمل الأمنيات من فلسطين إلى اليمن!