كثيرا ما يتصور القارئ الطيب، عالم الكتابة عالما سهلا جميلا. وهذا قد يكون صحيحا في بعض جوانبه، لأن الكتابة في أفقها الإنساني، تمنح الكثير من الحب والنور، وأيضا الكثير من الفرص لاكتشاف الحياة بشكل آخر وعيشها بجمالية مختلفة عن العادي، لكن هذا كله لا يخفي جانب الكتابة الأسود. فهي عالم العزلة القاسية والظلمة المتخفية في الأعماق. فعندما يكتب الكاتب عليه أن يتخفّى عن الأنظار، لا خيارا ولا رغبة، ولكن لأنه لا حلول لإنهاء نص من النصوص، وتحويله إلى منجز إلا بالانكفاء على النفس والكتابة بدون توقف. عالم التخيل الواسع والغني، الذي كثيرا ما يضاهي الجنون في كل مواصفاته، لا يخرج عن سياقات الارتباك. يمشي الكاتب في الشوارع وهو يحادث نفسه منفلتا عن أي مرجعية اجتماعية وربما كان هناك مكمن الحلم والخوف والحرية أيضا. يرى أشياء غريبة، بقية البشر غير معنيين بها. الأشياء، لا على التعيين التي تحيط به، والتي كثيرا ما ترتبط قيمتها بلحظة الكتابة نفسها، لأنها بعدها قد تصبح عادية تماما، أي تعود إلى صفاتها الأولى. يجادل أشخاصا وحده يراهم، ولا أحد غيره. يغرق في مصائر ووضعيات لا نصير له لفهمها إلا أدواته الفنية وقدراته العقلية والإبداعية. وعندما ينتهي من فعل الكتابة الشاق، يخرج منهكا ومريضا، إذ كثيرا ما يعيش تلك المصائر الورقية ومآسيها كحقائق مرئية لأنه بدون ذلك، لن يستطيع فهمها والتقرب منها بصدق وقوة. لا ينعم بالراحة أبدا لأنه بعد ذلك يدخل في دوامة أخرى شبيهة بدوار الحياة، إذ إن آليات العمل الداخلي ليست بعيدة عن أنظمة التقييم في الحياة العامة. بمجرد نشر العمل تنشأ قصص أخرى. إذا لم يلق النص أي صيت أو اهتمام، فالكاتب سيكون في منأى عن الضرر، لكن بمجرد أن يُستقبل العمل بالحفاوة التي تليق به، تبدو آلة الحسد والضغائن الصغيرة في الاشتعال، مما يعمق وحشة عالم الكتابة. الكاتب الشاب الهش، يمكن أن تكسره دوامة الحسد والبغضاء، إلا إذا وجد من يأخذ بيده للدفع به عميقا نحو مسالك الكتابة تاركا الشتائم والضغائن للآخرين منخرطا في جوهر مشروعه. الكاتب المحترف يمضي لأنه يدرك أن هذه الوضعية هي جزء من نظام الكتابة وضريبة النجاح، مثلما هو الحال في كل الحياة العامة. لهذا يجب تصحيح هذه اليوتوبيا التي ينظر لها القارئ كجنة. هي جنة بمعنى ما من المعاني، ولكنها أيضا جهنم. وإذا كانت مستفحلة عربيا، فهي عالمية.