كلما تحدثنا عن البيروقراطية (الطُرْطُبَّة)، وكيف أنها أصبحت لابدةً في كل «درجٍ»، تتربص بكل وزيرٍ جديد؛ لتستقبله بحضنها «المترطرط»، وتجثم على صدره فلا ينقذه منها إلا الموت أو الإعفاء بناءً على طلبه! وكلما تحدثنا عن النجاح وصُنَّاع الإرادة من جيل «التكنوقراط الفياصلة»، حضر الدكتور/ «علي بن طلال الجهني» طلق المحيا، مشرق الجبين، ذكي العين والقلب واللسان، بوصفه واحداً من النوادر الذين امتطوا «البيروقراطية»، ولم تتمكن من إسقاطهم، حتى عسفوها وصارت هي من تتحرك بهمزةٍ من أقدامهم، تاركين شمَّاعات العجز والكسل وقلة الحيلة لغيرهم، من الأكثرية ـ للأسف ـ الذين ابتليت بهم مختلف جهاتنا الحكومية وغير الحكومية! بل إن التاريخ (الذي لا يظلم ولا يرحم) يسجل: بأن «علي بن طلال الجهني» أول مسؤول يعربي لا يكتفي بترك منصبه طواعيةً؛ كما فعل السوداني الفريق «عبدالرحمن سوار الذهب»، والموريتاني العقيد «علي ولد محمد فال»، بل ألغاه من «لغاليغه»؛ فلم تعد هناك وزارة اسمها «البرق والبريد والهاتف»!
ورغم جسامة القرار وصعوبته لم يُغَبِّش رؤيتَه دخانُ البخور، ولم يقيد حركته «البشت الحساوي»، ولم ينل المرض الخطير من عزيمته، وهو يحقق إرادة ولاة الأمر، بدولة لا تتوانى عن ركب الحضارة لحظة، حتى صارت عضواً مهماً في نادي الـ(20) الاقتصادي!
ورغم أنه (ليس فوق نفسه من مزيدِ)، كما يقول «الكذاذيبي»، إلا أنه جدير بكل تقدير: مادياً بأن يمنح نسبةً دسمة من أسهم الشركة التي أسسها وصارت أرباحها بالمليارات، ومعنوياً بتخصيص كرسيٍّ باسمه في الكلية التي كان عميدها في «جامعة البترول والمعادن»، وتدريس سيرته وشخصيته في مدارسنا (بمناسبة أن «ألمانيا» جاءت تتعلم منا) نموذجاً عظيماً لمن يضع الوطن فوق رأسه حقاً، ويقدِّم مصلحة الأجيال القادمة على مصلحته الشخصية «وبريستيجه» الاجتماعي، الذي لم يمنعه (وهو خرِّيج أمريكا منذ البكالوريوس) أن يعود بدوياً كما كان، بـ(منقيةٍ) من «مزاين الإبل»، خلَّدها صديقه الضخم «غازي القصيبي» بقصيدةٍ لذيذة يقول فيها:
أُحيِّي مُكرمَ الضيفِ .. أُحيِّي زينةَ الوطنِ
وأرجو أن يكافئني ... بحسناءٍ من الهِجِنِ
فقل لي (تَمَّ) قد جاتك.. وقد جَاتَكْ بدون (money)!!